مقالات الرأي

المدن الصحية المفقودة وكشف المطر عورة العمران

بقلم/ د.علي المبروك أبوقرين
لم تكن الساعات القليلة التي أغرقت طرابلس بالمياه مجرد حادثة مطرية عارضة وإنما كانت امتحاناً قاسياً لعلاقة المدينة بالعلم والتخطيط والصحة العامة، وكاشفاً لحجم المسافة بين مدينة صممت لحماية الإنسان ومدينة يصبح فيها المطر مصدر تهديد للأرواح والممتلكات. في وقت قصير غمرت المياه الشوارع وحاصرت السيارات واقتحمت البيوت والمحلات واختلطت بمخلفات القمامة ومياه الصرف الصحي والملوثات التي تحملها الشوارع من أنشطة تجارية وورش ومرافق مختلفة. وهكذا تحولت نعمة المطر إلى خطر صحي وبيئي وكأن المدينة لا تملك من وسائل المواجهة إلا الاستنفار بعد وقوع الكارثة. والأشد إيلاماً أن طرابلس التي عرفها أهلها قديماً كانت شوارعها، في كثير من الأحيان تستوعب أمطار الشتاء دون أن تغرق كما تغرق اليوم. ليست المسألة حنيناً إلى الماضي إنما استفسارا عن معنى التقدم وكيف تتوسع المدن وتتضاعف مبانيها وأنشطتها، بينما تتراجع قدرتها على أداء أبسط وظائفها، وهي تصريف المياه وحماية السكان؟ إن أعظم التحولات في تاريخ الصحة العامة كان إنشاء شبكات الصرف الصحي لأنها حدت من انتشار الأمراض وتلوث المياه والتربة. لكن المدينة الحديثة تحتاج إلى أكثر من ذلك إنها تحتاج شبكات فعالة لتصريف الأمطار والصرف الصحي وإدارة علمية للنفايات، وتخطيط يراعي طبيعة الأرض ومجاري السيول، وبنية تحتية تستوعب التوسع العمراني، وتمنع تحول الأحياء إلى بؤر للتلوث والخطر. وبنظرة مقارنة بين بعض المدن من العالم نجد في سنغافورة يُدمج تصريف مياه الأمطار في منظومة متكاملة لإدارة المياه. وفي كوبنهاغن تُصمم الشوارع والمساحات العامة ضمن خطط للتكيف مع الأمطار الغزيرة. وفي روتردام تُستخدم الساحات المائية والمساحات العامة للمساعدة في احتجاز مياه الأمطار. هذه المدن ليست محصنة من الفيضانات لكنها تستثمر في التخطيط والوقاية وتقليل الخسائر بدلاً من الاكتفاء بمواجهة النتائج بعد وقوعها. أما مدننا فكثيراً ما تنمو قبل أن تكتمل بنيتها التحتية أو التفكير فيها أصلا، وتتجاور فيها المساكن والأسواق والورش والأنشطة الملوثة دون مراعاة كافية للاشتراطات الصحية والبيئية، وتتحول الصيانة إلى استجابة موسمية وتصبح معالجة الكارثة بديلاً عن منع أسبابها. والمدينة الصحية ليست مدينة نظيفة المظهر فقط إنها منظومة عمرانية متكاملة تُوزع فيها المساكن والأسواق والمستشفيات والمختبرات والمصانع والورش والمسالخ وفق معايير واضحة، وتُحترم فيها المسافات والاشتراطات البيئية وتُصان شبكات المياه والصرف، وتُدار النفايات بأمان وتُحفظ الحدائق والمساحات الخضراء والمرافق الرياضية والترفيهية. فيها كل طريق وزقاق ومبنى ونشاط محسوب ضمن رؤية تحمي صحة الإنسان وكرامته. إن انتشار الورش وسط الأسواق والمساكن وتجاور الأنشطة المزعجة والملوثة مع العيادات والمصحات والمختبرات والصيدليات وتراكم القمامة في الشوارع ليست مجرد مظاهر للفوضى إنها مخاطر محتملة على الهواء والماء والغذاء والصحة العامة. وعندما تجتاح المياه هذه البيئات قد تحمل معها ملوثات ومخلفات خطرة، وتزيد احتمالات تلوث مصادر المياه والتعرض لمياه الصرف والمواد الكيميائية. وتزداد المأساة حين تصبح المستشفيات والمصحات نفسها مهددة بالغرق، فتتعطل الخدمات الطبية في اللحظة التي يحتاج الناس فيها إليها أكثر من أي وقت آخر. فالمؤسسة الصحية لا تكون آمنة بمجرد وجود الأطباء والأجهزة إنما بسلامة موقعها وكفاءة تصريف المياه وتوافر الطاقة والمياه الآمنة، وضمان الوصول إليها أثناء الطوارئ. وقد كشفت كارثة درنة بما حملته من خسائر إنسانية مروعة، الثمن الباهظ الذي قد يدفعه المجتمع حين تتداخل المخاطر الطبيعية مع أوجه القصور في التخطيط وإدارة المياه وحماية العمران. وتأتي مشاهد طرابلس لتذكّرنا بأن الكارثة لا تحتاج دائماً إلى انهيار سد أو عاصفة استثنائية فقد تكفي أمطار غزيرة في ساعات قليلة لكشف هشاشة البنية التحتية وضعف الصيانة وسوء إدارة العمران. ليست كل الفيضانات قابلة للمنع، لكن التخطيط السليم قادر على تقليل خسائرها بصورة كبيرة. فالموضوع ليس كيف نصرف المياه من الشوارع بعد غرقها إنما كيف نمنع الشوارع من التحول إلى أحواض وبرك ومستنقعات وكيف نحمي السكان قبل أن يصل الخطر إلى أبوابهم. ذلك يتطلب تقييماً هندسياً شاملاً لشبكات التصريف، وتحديد مناطق تجمع المياه ومجاري السيول، وصيانة المصارف قبل مواسم المطر وتحديث خرائط المخاطر ومنع البناء العشوائي في المواقع الخطرة وتطوير حلول لاحتجاز مياه الأمطار إلى جانب نظام فعال لجمع النفايات والتخلص الآمن من المخلفات الخطرة. كما يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين البلديات ومؤسسات المياه والصرف الصحي والبيئة والصحة والدفاع المدني، وتمويلاً مستداماً ورقابة ومحاسبة وليس حملات مؤقتة تنتهي بانتهاء العاصفة. والأهم أن تصبح الصحة الحضرية شرطاً ملزماً في كل قرار عمراني من تخطيط الأحياء الجديدة إلى ترخيص الورش، ومن تصميم الطرق إلى اختيار مواقع المستشفيات، ومن تخصيص الأراضي للحدائق إلى تحديد مسارات مياه الأمطار. فلا يجوز أن تتوسع المدينة قبل توفير البنية التحتية اللازمة، ولا أن تُترك الأنشطة الخطرة لتفرض تلوثها وضجيجها على الأحياء السكنية ولا أن تتحول المساحات العامة إلى ضحايا للتعديات والعشوائية. إن المدن الصحية ليست واجهات تُجمّل بها التقارير إنما استثمار في الوقاية من المرض وحماية الأرواح والممتلكات وتقليل الإنفاق على الكوارث وضمان حياة كريمة للأجيال. وهي مسؤولية دولة ومؤسسات ومجتمع تبدأ بالتخطيط العلمي وتستمر بالصيانة والرقابة وتُقاس بنتائج ملموسة في حياة الناس. إن طرابلس لا تحتاج إلى استنفار عند كل موجة مطر بقدر حاجتها إلى استنفار وطني لإعادة بناء المدينة على أسس صحية وهندسية وحضارية سليمة. تحتاج إلى رؤية تتجاوز الترقيع وتحفظ ذاكرتها التاريخية وتستوعب نموها وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية العمران وليس ضحيته. فإذا كانت ساعات قليلة من المطر قد كشفت هذا الحجم من الخلل، فماذا سيحدث حين تتعرض المدينة لأمطار أشد وعواصف أقسى؟ وهل ننتظر الكارثة القادمة حتى نكتشف مجدداً أن المصارف عاجزة والطرق غارقة والمرافق الحيوية مهددة وفرق الإنقاذ محاصرة؟ إن المقياس الحقيقي لتحضر المدن ليس ارتفاع أبراجها ولا اتساع شوارعها إنما قدرتها على حماية سكانها ومنع المرض واستباق الخطر وصون الأرواح والممتلكات. فالمدينة الصحية لا تنتظر أن تغرق كي تتحرك. إنها تُخطط حتى لا يتحول المطر إلى مأساة، وتُدار حتى لا يصبح المرض ثمناً للعشوائية. وحين تعجز المدينة عن تصريف مياهها فإن المشكلة أعمق من الماء إنها أزمة تخطيط ومسؤولية وأزمة احترام للحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى