مقالات الرأي

وهم اختيار السيد الذي يستطيع



فوزي عمار

الطغيان لديه قدرة كبيرة في تغير ملامحه فهو لا يختفِي، بل يغيِّر ثيابه. وهذا ما يشرِّحه الصحفي الأمريكي كريس هدجيز، الفائز بجائزة بوليتزر، في مشروعه الفكري: كيف تحوَّلت الديمقراطية الأمريكية إلى نظام شمولية معكوسة

 (Inverted Totalitarianism)

 وكيف أصبحت الليبرالية نفسها أداة طغيان لا مقاومة له.

في كتابه الشهير موت الطبقة الليبرالية (2010)، يرى هدجيز أن الليبرالية لم تفشل في مواجهة صعود الدولة الشركاتية، بل أصبحت متواطئة في صناعتها. ويحدد خمس ركائز للمؤسسة الليبرالية وهي: الصحافة، الجامعات، النقابات العمالية، الحزب الديمقراطي، والمؤسسات الدينية الليبرالية.

ويؤكد أن كل واحدة منها باعت الناخبين الذين تمثلهم والنتيجة فراغ عميق في قلب الحياة السياسية الأمريكية، خلَّفته طبقة انشغلت بالامتيازات والرموز بدلًا من العدالة الاقتصادية. وعندما تختفي الطبقة التي كان يُفترض أن تكون صمام أمان، يبقى المواطن وحيدًا أمام دولة تديرها الشركات، وتُزين وجهها بشعارات الحرية.

هنا يتبنى هدجيز مفهوم الفيلسوف السياسي شيلدون وولين الشمولية المعكوسة، وهي ليست الفاشية الكلاسيكية التي تحكم بالقوة العارية، بل نظام يحتفظ بالمظاهر الديمقراطية مثل الدستور، الانتخابات، المحاكم، حرية الصحافة. بينما تستولي الشركات على كل مفاصل القوة الحقيقية، فيصبح المواطن عاجزًا رغم أنه لا يزال ينتخب. في الشمولية الكلاسيكية، مثل ألمانيا النازية أو الاتحاد السوفيتي كان الاقتصاد تابعًا للسياسة. أما في الشمولية المعكوسةفالعلاقة معكوسة السياسة تابعة للاقتصاد. لا محاولة لمعالجة فقر الفقراء، بل على العكس: كلما كنت أفقر وأكثر ضعفًا، تعرضت للاستغلال بشكل أكبر وتُدفع إلى عبودية ديون جحيمية لا مفر منها. التعليم والرعاية الصحية إما معدومة أو مخصخصة لتنهب الفقراء.

ولكن ما يجعل هذا النظام أكثر خبثًا من الفاشية التقليدية هو أنه لا يفرض الطغيان بالقوة فقط، بل يجعل الضحية شريكة فيه. في الديمقراطية البرلمانية، كما يقول أحد النقاد في سياق شرح أفكار هدجيز: العبد الحديث لديه وهم اختيار السيد الذي سيطيع.

التصويت جعله شريكًا في الطغيان الذي يقمعه.

هذا هو جوهر الطغيان باسم الحرية: أنت حر في اختيار من سيقمعك، وحر في الانخراط في نظام لا يمثل مصالحك، وحر في تصديق أن هذا هو أفضل ما يمكن. وحين تُنتزع منك القوة الاقتصادية والسياسية، يُخبرك الخطاب الليبرالي أنك ما زلت حرًّا لأنك تستطيع التصويت، أو لأنك تستطيع التعبير، أو لأنك تستطيع الاستهلاك. الحرية تُختزل في شكليات، بينما الجوهر وهو القدرة على العيش بكرامة، وعلى التأثير في القرار الذي يحدد حياتك يتبخر أمامك.

فالانتخابات تعود بك كل مرة إلى فكرة البدايات الجميلة والمآلات السيئة. الثورة التي نوعد بها سواء كانت ثورة سياسية أو اقتصادية لا تُنتج العدل، بل تنتج سادة جددًا، لكن الجديد هذه المرة أن السادة لا يحكمون بالسياط، بل بالصناديق ولا يقمعون بالقوة، بل بالاختيار. والطغيان لم يعد يأتي باسم الحاكم، بل باسم الحرية نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى