مقالات الرأي

ليبيا في مهب التحولات



محمد بوخروبة

ليست الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد معركة على مقاعد الكونغرس، ولا هي استحقاق داخلي معزول عن اضطرابات العالم، إنها محطة لاختبار اتجاهات السياسة الأمريكية وحدود نفوذ الرئيس، وقدرة إدارته على مواصلة أجندتها في الداخل والخارج، وفي منطقة كالشرق الأوسط حيث تتشابك الحروب بالمصالح والطاقة بالأمن والتحالفات بحسابات البقاء، فإن نتائج هذه الانتخابات قد تتجاوز واشنطن لتلقي بظلالها على خرائط النفوذ ومآلات الصراعات.

ومع اقتراب انتخابات الثالث من نوفمبر 2026، تقف إدارة دونالد ترامب أمام ملفات إقليمية شديدة التعقيد، في مقدمتها الحرب مع إيران والقضية الفلسطينية وأمن الخليج ومستقبل سوريا، والتنافس الدولي على الممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة، وهي ملفات لا تتحرك في فراغ، بل تتأثر بتوازنات الكونغرس وكلفة الانخراط العسكري وضغوط الاقتصاد الأمريكي، ومزاج الناخب الذي تعنيه معيشته بقدر ما تعنيه مكانة بلاده في العالم.

قد تمنح نتائج الانتخابات الإدارة الأمريكية مساحة أوسع لمواصلة سياساتها أو تفرض عليها قيودًا سياسية وتشريعية تجعل بعض خياراتها أكثر صعوبة، لكن الثابت أن المصالح الاستراتيجية الأمريكية لن تتبدل بالضرورة مع تغير موازين المقاعد، فواشنطن تنظر إلى المنطقة من زاوية أمن إسرائيل واحتواء الخصوم، وحماية طرق التجارة والطاقة ومنع القوى المنافسة من توسيع نفوذها.

وفي المقابل لن تقف القوى الإقليمية مكتوفة الأيدي، فتركيا وإيران ودول الخليج وإسرائيل إلى جانب روسيا والصين، تتحرك وفق حساباتها الخاصة سعيًا إلى تعزيز مواقعها أو تقليص خسائرها، ومن ثم، فإن الشرق الأوسط المقبل قد يشهد تفاهمات جديدة، وضغوطًا متبادلة ومحاولات لإعادة ترتيب بؤر الصراع، غير أن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمات ستظل أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى سلام مستدام.

في قلب هذه التحولات تقف ليبيا بوصفها أكثر دولة تعاني أزمة سياسية داخلية، إنها موقع استراتيجي على المتوسط وخزان نفطي مهم وبوابة تتقاطع عندها المصالح الأوروبية والأمريكية، والحسابات الروسية والتركية، وتحديات الأمن والهجرة في شمال أفريقيا والساحل.

وليس الاهتمام الأمريكي المتزايد بليبيا أمرًا عابرًا، فواشنطن تسعى إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي وتشجيع توحيد المؤسسات وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي، في سياق تنافس دولي لا تخفى فيه أهمية الطاقة وموقع البلاد، غير أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الليبيين ليس مقدار اهتمام الخارج ببلادهم، بل طبيعة النتائج التي يمكن أن يفضي إليها هذا الاهتمام، هل يدعم قيام دولة موحدة ذات مؤسسات شرعية أم يكتفي بتفاهمات بين مراكز النفوذ تضمن الحد الأدنى من الاستقرار وتحافظ على توازن المصالح؟

إن الخطر الأكبر أن تتحول ليبيا إلى ملف يدار من الخارج، بينما يظل القرار الوطني أسير الانقسام، فالدول لا تفقد مكانتها بسبب ضعف مواردها، بل حين تعجز عن تحويل مواردها إلى قوة سياسية واقتصادية، وحين يصبح التنافس على السلطة أهم من بناء الدولة وتقاسم النفوذ أسبق من الاحتكام إلى إرادة الشعب.

ومع استمرار الجهود الأممية لتجاوز الانسداد السياسي، تظل الانتخابات وتوحيد المؤسسات وإصلاح إدارة الثروة النفطية ركائز لا غنى عنها لأي استقرار حقيقي، أما الاكتفاء بتدوير السلطات أو إنتاج تسويات انتقالية جديدة بلا أفق واضح، فلن يفعل سوى إطالة عمر الأزمة وإبقاء البلاد مفتوحة أمام التجاذبات الخارجية.

قد تفتح الانتخابات النصفية الأمريكية نافذة جديدة في السياسة الإقليمية، وقد تضيق بعض المسارات أو تتبدل أولوياتها، لكن مستقبل ليبيا لن تصنعه صناديق الاقتراع الأمريكية وحدها مهما كان تأثيرها في موازين المنطقة.

إنه يصنع أولًا بقدرة الليبيين على استعادة وحدتهم وتحصين مؤسساتهم وصوغ مشروع وطني لا يرتهن لتفاهمات الخارج ولا يعادي مصالحه، بل يتعامل معها من موقع الدولة لا من موقع الساحة المفتوحة.

ففي شرق أوسط يعاد ترتيب أوراقه، لا يكفي أن تكون ليبيا غنية بالنفط، ولا أن تكون ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية، المطلوب أن تكون صاحبة قرار وشريكًا في صياغة مستقبلها لا موضوعًا على طاولة الآخرين.

فالسياسة الدولية لا تمنح الفرص لمن ينتظرها طويلًا، والتاريخ لا يحفظ للدول قيمة جغرافيتها بقدر ما يحفظ قدرتها على حماية إرادتها، وليبيا اليوم أمام خيار واضح، أن تدخل التحولات المقبلة بدولة موحدة وقرار مستقل، أو تظل تدفع ثمن انقسامها في عالم لا ينتظر المتأخرين.

زر الذهاب إلى الأعلى