في البرازيل.. انتفاضة طلابية ضد اليمين

جمال الجازوي
تشتعل المعركة الانتخابية في البرازيل وسط صراع سياسي حاد بين اليسار واليمين المتطرف، في مواجهة تتجاوز حدود التنافس على الرئاسة، لتضع مستقبل القوى اليسارية في أمريكا الجنوبية أمام اختبار مصيري. فهل يتمكن الرئيس لولا دا سيلفا من الحفاظ على موقعه، أم تنجح قوى اليمين في إسقاط أحد أبرز معاقل اليسار في القارة؟
جاءت نتائج الجولة الأولى، التي جرت يوم الأحد 4 أكتوبر، لتزيد المشهد تعقيدًا، بعدما حصل لولا على 43% من الأصوات، مقابل 47% للمرشح اليميني فلافيو بولسونارو، المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدوائر الصهيونية، وفقًا لما أورده النص. وهكذا، دخلت البرازيل مرحلة جديدة من الصراع السياسي، وسط محاولات كل طرف حشد أنصاره وتوسيع قاعدته الانتخابية قبل الجولة الثانية.
إن أهمية هذه الانتخابات لا تنبع من كونها منافسة على منصب الرئاسة فحسب، بل من ارتباطها بمستقبل التوازنات السياسية في أمريكا اللاتينية، حيث تمثل البرازيل قوة إقليمية كبرى، ويشكل استمرار اليسار في الحكم عاملًا مهمًّا في رسم توجهات المنطقة. ولذلك، فإن خسارة لولا قد تتجاوز آثارها الداخل البرازيلي، لتنعكس على القوى اليسارية التي تواجه صعود التيارات المحافظة والمتطرفة في عدد من دول القارة.
وفي مواجهة هذا الاحتمال، بدأت قطاعات واسعة من الطلاب التحرك في الشوارع رفضًا لبرامج فلافيو بولسونارو، التي يرون أنها تهدد التعليم وتفتح الباب أمام سياسات أكثر تشددًا. وشهدت ريو دي جانيرو مظاهرات شارك فيها آلاف الطلاب، فيما امتدت التحركات إلى جامعات أخرى، في محاولة لتحويل نتائج الجولة الأولى إلى نقطة انطلاق لتعبئة شعبية أوسع.
ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد تمسكهم بالسيادة الوطنية ورفضهم للفاشية، ورددوا هتافات داعمة للولا، من بينها: «سيتحد اليسار وستبقى السيادة»، و«جامعة UFF مناهضة للفاشية»، إلى جانب شعارات ترفض عودة التيار اليميني المرتبط ببولسونارو. كما أعلن طلاب من جامعات في 12 ولاية على الأقل مشاركتهم في المظاهرات، بما يعكس حجم القلق داخل الأوساط الجامعية من نتائج الانتخابات وتداعياتها المحتملة.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن طبيعة الصراع الدائر في البرازيل، فالمعركة تتعلق برؤيتين مختلفتين لمستقبل البلاد؛ إحداهما تدافع عن استمرار النهج اليساري، والأخرى تسعى إلى تعزيز نفوذ اليمين المتطرف. وبين المشروعين، يجد الناخب البرازيلي نفسه أمام خيارات تتصل بالتعليم والحقوق الاجتماعية والسيادة الوطنية، فضلًا عن موقع بلاده في المعادلات الدولية.
لكن التحدي الأكبر أمام لولا يتمثل في تحويل مظاهر الدعم الشعبي إلى أصوات انتخابية قادرة على تغيير النتيجة. فالمظاهرات، مهما اتسعت، لا تضمن الفوز وحدها، ما لم تتحول إلى تعبئة منظمة تستقطب المترددين وتوسع قاعدة المؤيدين. وفي المقابل، سيعمل معسكر اليمين على استثمار تقدمه في الجولة الأولى وتثبيت مكاسبه قبل المواجهة الحاسمة.
ومن هنا، فإن وحدة اليسار وقدرته على تجاوز الخلافات ستكونان عاملين أساسيين في تحديد مصير الانتخابات. فالمطلوب ليس الاكتفاء برفع الشعارات المناهضة للفاشية، وإنما تقديم خطاب سياسي مقنع يعزز ثقة الناخبين ويؤكد قدرتهم على الدفاع عن مصالحهم ومستقبل بلادهم.
وتتجه الأنظار إلى الجولة الثانية المقررة، وفقًا للنص، يوم 25 أكتوبر، وسط تفاؤل داخل معسكر اليسار بإمكانية قلب المعادلة وحسم النتيجة لصالح لولا. وبينما تستمر التعبئة الشعبية، تبقى البرازيل أمام مفترق طرق حاسم: إما استمرار اليسار في الحكم، وإما انتصار اليمين المتطرف وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد السياسي.
إنها معركة لن تحدد هوية الرئيس المقبل وحدها، بل ستكشف أيضًا عن قدرة اليسار في أمريكا الجنوبية على الصمود أمام المد اليميني، وعن مدى تأثير الشارع في رسم مستقبل البلاد. فهل ينتصر لولا ويحتفظ بأحد أبرز حصون اليسار في القارة، أم تحمل الجولة الثانية مفاجأة تقلب المشهد السياسي البرازيلي؟
