مقالات الرأي

حين تهرب العقول



بقلم: يوسف امحمد الشريف

لا تخسر ليبيا ثرواتها فقط عندما يهاجر أبناؤها إلى الخارج، بل تخسر جزءًا من مستقبلها عندما تدفع أصحاب العلم والمعرفة والخبرة إلى البحث عن مكان آخر يقدِّر ما يحملونه من أفكار وقدرات. فهجرة العقول ليست مجرد انتقال موظف أو أستاذ جامعي أو باحث من مدينة إلى أخرى، وليست قرارًا فرديًّا منفصلًا عن الواقع، بل هي -في كثير من الأحيان- نتيجة تراكم طويل من الإحباط والتهميش وغياب التقدير، حتى يصبح الرحيل بالنسبة إلى بعض الكفاءات أقل ألمًا من البقاء في بيئة لا ترى في العلم قيمة حقيقية.

والمؤلم في هذه الظاهرة أن بعض العقول لا تغادر ليبيا لأنها لا تحب وطنها، وإنما لأنها تحبه أكثر مما تحتمل. تريد أن تبحث، وأن تدرِّس، وأن تبني، وأن تشارك في خدمة مجتمعها، لكنها تصطدم بمؤسسات تعليمية وبحثية لا تمنحها دائمًا المساحة التي تستحقها، وبأنظمة إدارية قد تجعل المبادرة عبئًا، والتميز سببًا للحذر، والاجتهاد طريقًا مليئًا بالعراقيل. ومع مرور الوقت، يبدأ الباحث في التساؤل: لماذا أواصل الطريق في بيئة لا تشجعني على الاستمرار؟ ولماذا أستهلك طاقتي في إثبات أنني أستحق الفرصة بدلًا من استثمارها في خدمة العلم والمجتمع؟ هناك أيضًا شكل أكثر قسوة من الإقصاء، وهو الإقصاء غير المباشر. فالعقل لا يُطرد دائمًا بقرار رسمي، بل قد يُدفع إلى الرحيل من خلال تجاهله، وعدم إشراكه، وحجب الفرص عنه، والتقليل من جهده، وعدم الاعتراف بإنجازاته، أو التعامل معه باعتباره مصدر إزعاج لأنه يسأل ويقترح وينتقد.

وعندما يشعر الأكاديمي أو الباحث أو المثقف أن وجوده أصبح غير مرغوب فيه، حتى من دون أن يسمع كلمة واحدة تطلب منه المغادرة، فإن الرسالة تصل بوضوح: ابحث عن مكان آخر.

ومن أخطر ما يهدد بيئة المعرفة أن تتحول بعض العلاقات المهنية إلى ساحات للمنافسة السلبية والحسد الشخصي. فالإنسان الذي يمتلك مشروعًا فكريًّا أو بحثيًّا ناجحًا ينبغي أن يكون إضافة للمؤسسة، لا خصمًا لها. لكن في البيئات التي تنتشر فيها ثقافة الخوف من بروز الآخرين، قد يُنظر إلى العالم والمثقف والمبدع باعتبارهم منافسين بدلًا من اعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل. عندها يصبح النجاح سببًا للغيرة، والتميز سببًا للتضييق، والاستقلال في التفكير سببًا للعزلة.

إن المشكلة لا تقف عند المؤسسات التعليمية والبحثية، بل تمتد إلى جزء من الثقافة الاجتماعية التي لا تزال في بعض الأحيان تخلط بين صاحب الرأي وصاحب المشكلة، وبين المثقف الذي ينتقد من أجل الإصلاح والشخص الذي يهاجم من أجل الهدم. المجتمع الذي يريد بناء دولة حديثة يحتاج إلى احترام الاختلاف، لأن الجامعات ومراكز الأبحاث والصحافة والثقافة لا يمكن أن تتطور من دون أسئلة صعبة وأفكار جديدة ونقد مسؤول، وحين يرحل عالم أو باحث أو مهندس أو طبيب أو أستاذ جامعي، فإن الخسارة لا تُقاس فقط بالراتب الذي كان يتقاضاه، وإنما بالمشروعات التي كان يمكن أن ينجزها، والطلاب الذين كان يمكن أن يعلمهم، والأبحاث التي كان يمكن أن ينتجها، والشبكات العلمية التي كان يمكن أن يبنيها، والأفكار التي كان يمكن أن تتحول إلى سياسات ومؤسسات ومبادرات تخدم البلاد وإن ليبيا لا تحتاج إلى خطابات تتغنى بالعقول الوطنية بينما تدفعها في الواقع إلى الصمت أو الرحيل. ما تحتاجه هو بيئة تجعل البقاء خيارًا ممكنًا ومحترمًا، وتضمن معايير واضحة للترقي والتكليف والمشاركة، وتحمي الباحث من الشخصنة، وتربط التقدير بالكفاءة لا بالعلاقات. لا يمكن أن نبني اقتصاد معرفة بعقلية تخاف من المعرفة، ولا أن نصنع مستقبلًا جديدًا بعلاقات مهنية تقوم على إطفاء الضوء عن كل من يبرز.

العقول الليبية التي تغادر ليست خيانة للوطن، لكنها في كثير من الأحيان شهادة على فشل البيئة في الاحتفاظ بها. والوطن الحقيقي ليس المكان الذي يمنع أبناءه من الرحيل، بل المكان الذي يمنحهم أسبابًا كافية للبقاء. إنقاذ ليبيا يبدأ من إنقاذ قيمة الإنسان فيها، ومن إعادة الاعتبار للعالم والمثقف والباحث والمبدع. فحين يشعر العقل أن وطنه يريده، وأن مؤسساته تحميه، وأن نجاحه لا يهدد أحدًا، فإنه لن يبحث عن وطن بديل، بل سيبحث عن فكرة جديدة يبني بها وطنه.

زر الذهاب إلى الأعلى