مقالات الرأي

حين تتحول المعرفة إلى معركة مصير



المهدي الفهري

حجم التحديات التي تواجه بلادنا وأمتنا كبير جدًّا، ولا سبيل للإفلات من قبضتها الحديدية وآثارها السيئة سوى تخصيص المزيد من الوقت والجهد والجدية للنجاح في مواجهتها في وقت تحولت فيه معركة الحضارة إلى معركة وجود ومصير وأمام واقع أقرب إلى التفكك والانهيار والتحول إلى أمة أشبه بالغجر أو شعب الروما المتكون من مجموعات عرقية وثقافية متنوعة والمشتت في جميع أنحاء العالم، ولم يعد لنا من سبيل إذا أردنا النجاة إلا السعي إلى الوحدة والتمسك بالمعارف والعلوم وإدراك ما يحدث لكي نتجنب أسوأ ما يمكن أن يحدث، حيث أصبحت كل المجتمعات تقريبًا في هذا العصر منفتحة على جميع أنواع الموبقات والأزمات الزاحفة والمتدحرجة، وصار هذا حال معظمها، ولم تستثن من ذلك حتى الدول الأكثر تقدمًا وتطورًا ناهيك عن أكثرها تخلفًا وما صاحب ذلك من أمراض اجتماعية تجاوزت آثارها الأفراد والمجتمعات.

وبالرغم من أنها كثيرة هي الكتابات التي تناولت هذه المواضيع بالتشخيص والتحليل وأشارت إلى الخطر الداهم في ظل هذا الضعف والوهن الكبير وأنذرت بخطورة المرحلة القادمة وحذرت من الكارثة القيمية القادمة لا محالة لا سيما بعد محاولات تفريغ الجيل الحالي من مضمونه ومحتواه وظهور أجيال جديدة يسهل استعمارها وتسخيرها لخدمة مشاريع الأقوياء ولم تترك لنا من خيار غير إيقاظ الوعي وتحرير العقول التي بتحريرها يتحرر كل شيء وخاصة في حرية التفكير وفي كيفية فهم المجتمع وتنظيمه وتهيئته للإبداع والانطلاق واستخدام كل الوسائل المتاحة والممكنة للوصول إلى هذه الغاية ومن خلال توظيف بعض الوسائل الأخرى كالفن والآداب والثقافة والاهتمام بالعلوم الطبيعية والتقنية واستخدام العلوم الاجتماعية التي تحول المجتمع إلى قوة علمية وفكرية واقتصادية وثقافية تسهم في ترجمة الوعي إلى مشروع جمعي يدمج الذكاء في التنمية ويحقق الأمن القومي والأمن السيبراني والسيادة الرقمية وما نحتاج إليه اليوم لا يقل عن ثورة في الأفكار تقودنا إلى تطوير أنفسنا واكتشاف قوانين الكون والطبيعة وخلق موازين ومعادلات تسهم في التقدم وليس مواعظ وإرشادات، فالتاريخ يراهن دائمًا على الأقوياء والأحرار وأصحاب الأفكار والرؤى والمبادرات والقادرين على تحمل المسؤوليات الكبيرة ويمتلكون رؤية استراتيجية لتنمية الكفاءات ووضع الأطر والآليات اللازمة لكسب رهانات المستقبل.

المحافظة على سيادتنا تأتي من خلال الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية ومن قدرتنا على حماية ما يعبر عن هويتنا وجعل تراثنا جسرًا للحضور وللحوار بين الثقافات والحضارات المختلفة، فالثقافة عقل وفكر وبحث وتاريخ وفلسفة تبدأ من الارتقاء بمستوى الخطاب الثقافي واحترام المعرفة وتنقلنا من إدارة الثقافة إلى إدارة تقوم على المعرفة وتصل بنا في نهاية المطاف إلى محصلة مفادها أن العلم وتحرير العقل هما طريقنا الوحيد والأمثل إلى النجاة وبناء نهضة الأمة وقوتها الحضارية والتي تبدأ بالإنسان والتحول من الوعي إلى الفعل والخروج من أزمة الواقع إلى مشروع النهضة ونحن ندرك أن النهضة التي ننشدها ليست تقنية وتكنولوجيا فحسب بقدر ما هي مشروع فكري وحضاري وعلم وعمل واستقلال معرفي وتخطيط سليم وتهيئة المناخ المناسب وفرز الأولويات لبداية التغيير الهادف والشامل على مختلف الأصعدة وخلق حالة من التكامل المعرفي، وهي أيضا عقول مفكرة ترصد الواقع وتحول عوامل القوة إلى طاقة وتؤمن بأن الصراع مع المعرفة صراع من أجل البقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى