حرب بلا دخان

منيرة محمد
مجتمعنا يواجه حربًا شرسة، لم تعد تُخاض بالمدافع والطائرات وحدها، وإنما انتقلت إلى العقول والسلوك والقيم. وبعد أن استخدمت القوى الاستعمارية في حروبها السابقة مختلف أنواع الأسلحة، انتقلت المعركة إلى وسائل أكثر خفاءً، تستهدف الإنسان والمجتمع من الداخل، وتعمل على إضعاف قدرته على التماسك والمقاومة.
وقد تنبهت النظرية العالمية الثالثة مبكرًا إلى خطورة الإعلام، فميَّزت بين إعلام إيجابي يؤدي دوره في توعية المجتمع وبناء الإنسان، وإعلام سلبي يمكن أن يتحول إلى أداة للتضليل والتوجيه والهدم. واليوم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإعلام السلبي أكثر قدرة على الوصول إلى الناس، وأصبحت الشائعة أسرع من الحقيقة، والتحريض أكثر انتشارًا من الخطاب المسؤول.
وما نشاهده من فوضى اجتماعية وانقسام وتراجع في القيم، لا يمكن فصله عن هذه البيئة الإعلامية المفتوحة التي أصبح فيها كل فرد قادرًا على صناعة محتوى والتأثير في الآخرين دون معرفة أو مسؤولية. وفي المقابل، نرى شبابًا ضيعتهم المؤثرات العقلية، واستُنزفت طاقاتهم وأحلامهم، فتحول بعضهم من قوة قادرة على بناء الوطن إلى ضحية للإدمان والانحراف.
وفي المشهد نفسه، نشاهد انتشار المليشيات وتغول السلاح خارج مؤسسات الدولة، وما يرافق ذلك من خوف وفوضى وانقسام اجتماعي. وحين يجتمع السلاح المنفلت مع ضعف الوعي وانتشار المخدرات والفوضى الإعلامية، يصبح المجتمع أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للاختراق والتفكك.
لقد أدرك الاستعمار أن السيطرة على الأرض ليست الطريق الوحيد للسيطرة على الشعوب، فانتقلت المعركة إلى الثقافة والإعلام والوعي والهوية. وأصبح المطلوب اليوم ليس احتلال الإنسان من الخارج، بل إضعافه من الداخل.
إن مواجهة هذه الحرب تبدأ بتحصين الإنسان، وبإعلام مسؤول، وتربية واعية، ومؤسسات قوية، ودولة تحتكر السلاح. فالأمة التي تحمي عقول شبابها وتحافظ على قيمها ووحدتها، تستطيع أن تواجه أقسى أدوات الحرب، أما أخطر هزيمة فهي أن يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين من يبني وطنه ومن يعمل على هدمه.
