مقالات الرأي

فوضى المرتبات وغياب العدالة



بقلم: عثمان الدعيكي
لم تعد مشكلة التوظيف مرتبطة بتوفير فرص العمل بقدر ما أصبحت مرتبطة بتضخم الجهاز الإداري، وغياب التخطيط، واختلال العدالة في توزيع المرتبات. فقد تحولت الوظيفة العامة، في كثير من الحالات، من وسيلة لتقديم الخدمات وتحسين الأداء إلى عبء متزايد على الميزانية العامة، دون أن يقابله تحسن ملموس في مستوى الخدمات أو الإنتاجية.
قبل عام 2011، كان عدد الموظفين في القطاع العام يقارب 1.3 مليون موظف، لا تتجاوز تكلفة مرتباتهم وما في حكمها 9 مليارات دينار سنوياً. أما اليوم، فقد تجاوز العدد 2.5 مليون موظف، بما يزيد على 35% من إجمالي السكان، وارتفعت فاتورة المرتبات إلى ما لا يقل عن 60 مليار دينار سنوياً. وهي أرقام تكشف حجم الاختلال بين التوسع في التوظيف والقدرة الفعلية للاقتصاد على تحمّل تكلفته.
ولعل المفارقة أن ليبيا عرفت منذ عام 1980، بموجب القانون رقم 15، نظاماً للمرتبات يقوم على الدرجة الوظيفية والمؤهل العلمي والخبرة. ورغم تواضع المرتبات آنذاك، فقد حافظ النظام على قدر من العدالة، حتى بعد تعديلاته عام 2010.
لكن ما حدث بعد 2011 أوجد واقعاً مختلفاً؛ إذ تعددت القوانين والقرارات وجداول المرتبات الخاصة، حتى أصبح موظفان يحملان المؤهل نفسه، ويتمتعان بالدرجة والخبرة نفسيهما، يتقاضيان مرتبَين قد يتجاوز أحدهما الآخر بتسعة أضعاف، لمجرد اختلاف جهة العمل. فأي عدالة وظيفية يمكن الحديث عنها في ظل هذه الفوارق؟
إن معالجة هذا الخلل لا تكون بزيادات جديدة في المرتبات، وإنما بإصلاح شامل يبدأ بحصر الموظفين فعلياً، وإعداد ملاكات وظيفية لكل مؤسسة وفق احتياجاتها الحقيقية، وربط التوظيف بحجم العمل والإنتاجية، مع إعادة توزيع الفائض وتأهيله وتوجيهه نحو القطاعات المنتجة.
ويقتضي الإصلاح أيضاً اعتماد جدول وطني موحد للمرتبات، يستند إلى المؤهل والخبرة والمسؤولية والكفاءة، مع تطبيق نظام نقاط وعلاوات محددة للوظائف الفنية والتخصصية وذات الطبيعة الخاصة، وفق معايير معلنة وقابلة للقياس والمراجعة.
ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء قاعدة بيانات وظيفية موحدة، وربط صرف المرتبات بالرقم الوطني والتحقق من الازدواج الوظيفي، وإخضاع التعيينات والزيادات لدراسة أثرها المالي.
فالعدالة لا تعني مساواة الجميع في المرتبات، وإنما تعني أن يحصل كل موظف على ما يستحقه وفق طبيعة عمله وكفاءته ومسؤولياته، لا وفق نفوذ الجهة التي يعمل بها.

زر الذهاب إلى الأعلى