تشخيص الحالة الليبية بعد خمسة عشر عامًا

ناصر سعيد
الأزمة الليبية ليست فقط مرحلة انتقالية طال أمدها، ولا خلافًا بين حكومتين أو مجلسين، إنما تحولت إلى أزمة دولة مزمنة، تتعايش فيها مؤسسات قائمة مع انقسام سياسي وأمني، وتتنازع فيها مراكز القوة على القرار والثروة والشرعية، وبعد خمسة عشر عامًا من أحداث 2011، لم يعد السؤال لماذا تأخرت ليبيا في بناء الدولة، بل كيف تحولت المرحلة الانتقالية نفسها إلى وضع دائم لإدارة الأزمة؟
تكمن العقدة الأولى في غياب الشرعية الشعبية، فمنذ تعذر إجراء الانتخابات المقررة في ديسمبر 2021، توالت المبادرات والحوارات والاتفاقات، بينما بقي الانتقال إلى سلطة منتخبة مؤجلًا، وتبدلت الحكومات والأجسام السياسية، لكن جوهر المشكلة لم يتغير، مؤسسات تستمد وجودها من ترتيبات انتقالية أكثر مما تستمده من تفويض شعبي مباشر، الأمر الذي جعل الصراع على السلطة يتحول إلى صراع على المال العام والنفوذ والمؤسسات.
ولم تعد مشكلة السلاح مجرد انتشار جماعات مسلحة في الشوارع، بل نشأ اقتصاد سياسي للقوة المسلحة، تتداخل فيه المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية. فالسلاح يولد نفوذا، والنفوذ يوفر الموارد، والموارد تعزز القدرة على حماية النفوذ. ولهذا، فإن توحيد المؤسسات لا يمكن أن ينجح بمجرد دمج تشكيلات على الورق، ما لم يخضع السلاح فعليًّا لسلطة الدولة والقانون.
كما تحول الانقسام السياسي من حالة مؤقتة إلى بنية مصالح، فقد نشأت حوله شبكات إدارية وأمنية واقتصادية تستفيد من استمرار الوضع القائم، وأصبح إنهاء الانقسام بالنسبة إلى بعض القوى تهديدًا لمصالحها، ولذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في خلاف شرق وغرب، فهي في جوهرها أزمة توزيع للسلطة والثروة والسلاح والشرعية.
وفي المقابل، أصبح الدور الدولي جزءًا دائمًا من إدارة المشهد، توالت المؤتمرات والحوارات والخرائط السياسية، من الصخيرات إلى جنيف ثم المسارات اللاحقة، لكن الانتخابات بقيت مؤجلة، وفي 2026 استمر المسار الأممي في محاولة تهيئة الظروف للانتخابات وتوحيد المؤسسات، غير أن نجاح أي مسار دولي لا يقاس بعدد الاتفاقات التي ينتجها، بل بقدرته على إنهاء المرحلة الانتقالية وتسليم القرار إلى إرادة الليبيين.
أما أمنيًّا، فلم تختف الجريمة المنظمة والتهريب والاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة، بل أصبحت أكثر ارتباطًا بأزمة الحدود وانقسام المؤسسات، ولم تعد تداعيات ذلك شأنًا ليبيًّا خالصًا، بل أصبحت تمس أمن دول الجوار ومنطقة الساحل والمتوسط.
وفي المجال الحقوقي، ما زالت ملفات الاعتقال خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب والمفقودين والمهجرين والنازحين والممتلكات المصادرة والمصالحة الوطنية مفتوحة، ولا يمكن بناء دولة مستقرة بينما يحمل المجتمع جراحًا لم تعالج، وحقوقًا لم تسترد، وجرائم لم تحسم بالقانون. فالمصالحة ليست عفوًا عن الجرائم، كما أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام سياسي.
اقتصاديًّا، تغيرت طبيعة الأزمة، لم تعد المشكلة انهيار إنتاج النفط كما في السنوات الأولى، بل المفارقة الأخطر أن بلدًا يمتلك ثروة نفطية هائلة وينتج ملايين البراميل، لكنه عاجز عن تحويل هذه الثروة إلى اقتصاد منتج وخدمات مستقرة وتنمية مستدامة، ولذلك، فإن السؤال لم يعد: كم تنتج ليبيا من النفط؟ بل كيف تدار عائداته؟ ومن يراقب الإنفاق؟ ولماذا لا تنعكس الثروة على حياة المواطن؟
وتبقى الخدمات اليومية الاختبار الحقيقي للدولة، فالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق ليست ملفات فنية منفصلة، وإنما مؤشرات على كفاءة الإدارة العامة وقدرتها على تحويل الموارد إلى حقوق وخدمات.
الخطر الأكبر اليوم ليس عودة الحرب وحدها، بل أن يصبح الانقسام نفسه نظامًا مستقرًّا، وأن يتحول المؤقت إلى دائم، وأن تعتاد الأجيال الجديدة على دولة متعددة مراكز القرار.
ليبيا لا تحتاج إلى إدارة الأزمة بقدر ما تحتاج إلى إنهائها: سلطة تستند إلى تفويض شعبي، مؤسسات موحدة، سلاح خاضع للقانون، قضاء مستقل، مال عام تحت الرقابة، وثروة وطنية تدار بشفافية، وقرار سياسي يحمي السيادة الوطنية. فالمشكلة لم تعد نقص المبادرات، وإنما غياب القدرة والإرادة على الانتقال من دولة التسويات المؤقتة إلى دولة المؤسسات الدائمة.
