اليسار حين يفقد بوصلته التحررية.. الانتخابات تُفرغ المشروع من مضمونه والاحتواء الغربي يُجهض حلم التغيير

تشهد أمريكا الجنوبية تحولًا سياسيًّا لافتًا، يتمثل في صعود اليمين، وتراجُع نفوذ قوى اليسار التي كانت، خلال مراحل سابقة، صاحبة حضور واسع في عدد من دول القارة. وقد أظهرت الانتخابات البرازيلية الأخيرة، بحسب القراءة المطروحة، تقدمًا واضحًا لليمين على مستوى المناطق وعلى مستوى الكونغرس بمجلسيه، في سياق إقليمي أوسع شهد تحولات مشابهة في عدد من دول أمريكا اللاتينية.
ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن التدخل الأمريكي والصهيوني، وما يرتبط به من المال والضغط السياسي والاستخباراتي والإعلامي، فضلًا عن سعي الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب المجال السياسي في القارة بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية.
لكن المسألة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بتدخل خارجي يسعى إلى دعم اليمين، وإنما تطرح سؤالًا أعمق حول تجربة اليسار نفسه: لماذا تمكن من الوصول إلى السلطة في مرحلة سابقة، ولماذا بدأ بالتراجع؟ وهل يعود ذلك إلى فشل برامجه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أم إلى طبيعة خياراته السياسية وأسلوب تعامله مع المنظومة الغربية؟
من اكتساح اليسار إلى صعود اليمين
شهدت أمريكا اللاتينية خلال مرحلة سابقة موجة واسعة من صعود اليسار، شملت دولًا مثل الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا وغيرها. وتمكن اليسار من الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، مستفيدًا من رصيد تاريخي طويل من النضال السياسي والاجتماعي، ومن القاعدة الشعبية التي تشكلت حول النقابات والحركات الثورية والتحررية.
غير أن هذه الموجة لم تستمر بالزخم نفسه. فقد بدأ اليمين في استعادة مواقع متقدمة، مستفيدًا من الدعم الأمريكي والغربي، ومن الإمكانات المالية والإعلامية والسياسية الكبيرة التي تتيح له التأثير في اتجاهات الرأي العام وفي العملية الانتخابية.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي تستحق الدراسة: هل كان دخول اليسار إلى اللعبة الانتخابية، وفقًا للقواعد التي وضعتها المنظومة الغربية، سببًا في إضعافه تدريجيًّا؟
فالانتخابات، في صورتها القائمة داخل المنظومة الرأسمالية، لا تجري بمعزل عن المال والإعلام والنفوذ السياسي. ومن يدخل هذه اللعبة من دون امتلاك أدواتها قد يجد نفسه في وضع غير متكافئ، حتى وإن كان يمتلك قاعدة شعبية أو تاريخًا نضاليًّا.
مشكلة اليسار ليست في برامجه فقط
لا يعني صعود اليمين بالضرورة أن برامج اليسار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كانت فاشلة. فقد تمكن اليسار في مراحل معينة من التعبير عن مطالب قطاعات واسعة من شعوب القارة، واستند إلى تاريخ من النضال ضد الهيمنة الخارجية والاستغلال الاجتماعي.
المشكلة، وفق هذه القراءة، تكمن بدرجة أكبر في طريقة إدارة الصراع السياسي.
فقد صدق جزء من اليسار الخدعة الغربية عندما اعتقد أن الاندماج في مؤسسات السلطة والاعتماد الكامل على الانتخابات يمكن أن يوفر له طريقًا آمنًا لتحقيق أهدافه. وبمرور الوقت، تراجع الجانب النضالي والتنظيمي، وأصبحت المشاركة في المؤسسات القائمة غاية في حد ذاتها.
وهكذا، انتقل اليسار من موقع الحركة التي تسعى إلى تغيير المنظومة إلى موقع القوة التي تعمل داخل المنظومة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة: عندما يدخل مشروع تحرري إلى منظومة سياسية واقتصادية صممت أصلًا لحماية المصالح التي يناقضها، فإنه معرض تدريجيًّا لفقدان أدواته وقاعدته الفكرية والتنظيمية.
التجربة الكوبية كنموذج مختلف
تقدم التجربة الكوبية، في هذا السياق، نموذجًا مختلفًا.
فالثورة الكوبية لم تبدأ باعتبارها مشروعًا انتخابيًّا داخل النظام القائم، وإنما قامت على الكفاح المسلح وفرضت واقعًا سياسيًّا جديدًا، ثم أقامت دولة مختلفة عن المنظومة السابقة في شكلها وجوهرها.
ومهما كانت الاختلافات بين التجربة الكوبية والولايات المتحدة، فإن كوبا ظلت صامدة لأكثر من نصف قرن في مواجهة ضغوط أمريكية متواصلة.
ولا تكمن أهمية النموذج الكوبي، في هذه القراءة، في إمكانية نسخه أو نقله كما هو، وإنما في الإشارة إلى مسألة أساسية: امتلاك المشروع المستقل لأدواته وعدم تسليم أوراق القوة قبل الوصول إلى أهدافه.
في المقابل، فإن انتقال حركات اليسار من الكفاح والنضال والتنظيم إلى الاعتماد الكامل على اللعبة الانتخابية جعلها أكثر عرضة للضغط والاحتواء.
الاستيعاب أخطر من المواجهة
السياسة الغربية لا تعتمد دائمًا على المواجهة المباشرة. فقد تكون عملية الاستيعاب أكثر فاعلية من الصدام.
فالحركة التي لا يمكن القضاء عليها بالقوة يمكن محاولة إدخالها في النظام، ومنحها مساحة محدودة داخل مؤسساته، ثم دفعها تدريجيًّا إلى التخلي عن أدواتها وخطابها وقاعدتها التنظيمية.
وبهذه الطريقة تتحول الحركة من قوة تسعى إلى تغيير الواقع إلى طرف يعمل ضمن قواعد الواقع نفسه.
وهنا يصبح المال والإعلام والانتخابات أدوات حاسمة. فإذا كانت الحركة لا تملك المال، ولا تملك المنابر الإعلامية، ولا تستطيع منافسة خصومها في النفوذ السياسي، فإن دخولها إلى معركة انتخابية غير متكافئة قد يؤدي إلى إضعافها بدلًا من تمكينها.
العودة إلى عقيدة مونرو
يمكن فهم التحولات الراهنة في أمريكا اللاتينية أيضا ضمن التحول الأوسع في السياسة الأمريكية.
فالولايات المتحدة تواجه صعود قوى دولية منافسة، وفي مقدمتها الصين، كما تواجه نتائج متراكمة لتدخلاتها في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما لم تحقق مشاريعها السياسية النتائج التي كانت تتوقعها.
ومن هنا تبدو العودة إلى منطق عقيدة مونرو محاولة لإعادة تثبيت المجال الغربي، وخاصة أمريكا اللاتينية، باعتباره مجالًا استراتيجيًّا يجب أن يبقى ضمن النفوذ الأمريكي.
وهذا يعيد إلى الذاكرة مرحلة الأربعينيات والخمسينيات، عندما دعمت الولايات المتحدة أنظمة عسكرية وسلطوية في أمريكا اللاتينية، قبل أن تخرج من رحم تلك الأوضاع حركات ثورية وتقدمية حاولت كسر الهيمنة الخارجية وبناء خيارات مستقلة.
وبذلك، فإن صعود اليمين في القارة لا ينبغي النظر إليه كتحول انتخابي منفصل، وإنما كجزء من صراع أوسع على اتجاه أمريكا اللاتينية وموقعها في النظام الدولي.
من أمريكا اللاتينية إلى التجربة العربية
هذه المسألة لا تخص أمريكا الجنوبية وحدها.
فالتجربة السوفيتية تقدم، من زاوية أخرى، مثالًا على مخاطر تصديق الخطاب الغربي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية، ثم اكتشاف حقيقة هذا الخطاب بعد فوات الأوان.
والتجربة العربية، وخصوصًا التجربة الليبية، تقدم بدورها درسًا مهمًّا.
فقد ساد خلال سنوات ما قبل أحداث 2011 خطاب يقوم على الاعتقاد بأن الغرب يمكن أن يكون شريكًا، وأن المصالح الاقتصادية يمكن أن تؤسس لعلاقة مستقرة، وأن تقديم التنازلات والانفتاح على المنظومة الغربية سيؤدي إلى الاعتراف بالأنظمة والدول واستقرارها.
لكن الأحداث اللاحقة أظهرت أن المصالح الغربية لا تقوم على الصداقة السياسية، وإنما على حسابات القوة والمصلحة.
وفي الحالة الليبية، أدى انتشار هذا الخطاب إلى الاعتقاد بأن الغرب يمكن أن يكون ضامنًا للاستقرار، وأن التفاهم معه كفيل بحماية الدولة، قبل أن تنتهي البلاد إلى الوضع الذي تعيشه اليوم.
درس فلسطين: الاستيعاب السياسي
يمكن رؤية الفكرة نفسها في التجربة الفلسطينية.
فالمواجهة المباشرة مع حركات المقاومة لم تكن دائمًاالطريق الوحيد الذي اتبعته إسرائيل. فقد سعت أيضًا إلى استيعاب قوى سياسية فلسطينية داخل ترتيبات سياسية وأمنية، بما يؤدي في النهاية إلى تحويل بعض القوى من موقع المقاومة إلى موقع العمل ضمن منظومة سياسية تحدد قواعدها أطراف أخرى.
وهذا يوضح أن الاستيعاب قد يكون أكثر خطورة من المواجهة المباشرة؛ لأن المواجهة تحافظ على وضوح العدو، بينما الاستيعاب قد يؤدي إلى تغيير طبيعة الحركة نفسها من الداخل.
كوريا الشمالية: نموذج آخر
تقدم كوريا الشمالية، من منظور هذه القراءة، نموذجًا آخر يستحق التأمل.
فلو قبلت القيادة الكورية الشمالية الإغراءات التي قدمت لها، واندمجت بصورة كاملة في المنظومة الغربية، فمن الممكن أن تكون قد فقدت كثيرًا من عناصر قوتها واستقلال قرارها.
وبصرف النظر عن تقييم التجربة الكورية أو الاتفاق أو الاختلاف معها، فإن بقاء الدولة خارج منظومة التبعية المباشرة منحها قدرة على فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاهله.
والدرس هنا ليس في طبيعة النظام الكوري، وإنما في أهمية امتلاك أوراق القوة وعدم التخلي عنها مجانًا.
الخطر على حركات التحرر
المشكلة الأساسية التي ينبغي الانتباه إليها هي أن حركات التحرر والمقاومة قد تقع في خطأ الاعتقاد بأنها قادرة على دخول اللعبة التي يصممها الغرب، ثم استخدام قواعدها لمصلحتها.
فقد يبدو الأمر في البداية فرصة سياسية، لكنه قد يتحول تدريجيًّا إلى عملية تفريغ للمشروع من مضمونه.
ومع مرور الوقت يمكن أن تفقد الحركة قاعدتها الفكرية، ثم قوتها التنظيمية، ثم قدرتها على الحشد، قبل أن تجد نفسها أمام خصم يمتلك المال والإعلام والنفوذ والمؤسسات.
وعندها لا يعود السؤال: ماذا تريد الحركة أن تغير؟ وإنما يصبح السؤال: كيف يمكنها البقاء داخل المنظومة؟
نحو رؤية سياسية أكثر تماسكًا
من هنا تبرز الحاجة إلى تطوير رؤية سياسية تستفيد من هذه التجارب، وتبحث في كيفية التعامل مع المشاريع الغربية التي تقدم نفسها باعتبارها مشروعات ديمقراطية أو انتخابية أو توافقية، بينما قد تكون في جوهرها أدوات لإعادة تشكيل القوى السياسية وإدخالها في منظومة قابلة للسيطرة.
ولا يعني ذلك رفض الانتخابات أو المؤسسات السياسية من حيث المبدأ، وإنما يعني عدم تحويل الوسيلة إلى بديل عن المشروع.
فالانتخابات أداة سياسية، وليست مشروعًا سياسيًّا بحد ذاتها. والمؤسسات يمكن أن تكون وسيلة لخدمة المشروع، لكنها تصبح خطرًا عندما تتحول إلى إطار يجبر الحركة على التخلي عن هويتها وأهدافها وأدوات قوتها.
الخلاصة
الدرس الأهم من التحولات الجارية في أمريكا اللاتينية هو أن خسارة الحركات التحررية لا تبدأ بالضرورة عندما تخسر الانتخابات، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تتخلى عن قاعدتها الفكرية والتنظيمية، وتفقد قدرتها على إنتاج خطابها المستقل، ثم تدخل لعبة سياسية لا تملك أدواتها.
إن صعود اليمين في أمريكا اللاتينية، والتدخل الأمريكي والصهيوني، ومحاولات إعادة فرض الهيمنة على القارة، كلها ملفات تحتاج إلى دراسة معمقة، لكن دراستها لا تكتمل من دون النظر إلى مسؤولية اليسار نفسه عن بعض أسباب تراجعه.
والخلاصة التي ينبغي استخلاصها هي أن المشروع التحرري لا يستطيع حماية نفسه بمجرد الدخول في المؤسسات التي يديرها خصومه، ولا بمجرد خوض الانتخابات وفق قواعد يضعها الآخرون.
الحفاظ على الاستقلال الفكري، والقاعدة التنظيمية، وأدوات النضال، والقدرة على إنتاج الموقف المستقل، ليست ترفًا أيديولوجيًّا، وإنما عناصر أساسية لبقاء أي حركة تسعى إلى التحرر.
فلا ينبغي الانخداع بالإغراءات، ولا الاعتقاد بأن الدخول في اللعبة الغربية يعني بالضرورة الجلوس على طاولة متساوية مع أصحابها. فقد تبدأ الحركة باعتقاد أنها تدخل اللعبة لتغييرها، ثم تجد نفسها في النهاية قد تغيرت هي، وفقدت أدواتها، وانتهت إلى المكان الذي أراده لها الآخرون.
