مقالات الرأي

المطابقة الإلكترونية وأثرها في الحق الضماني: – الجزء الثاني



غادة الصيد

سلطة الإدارة في وقف المعاش ليست سلطة مطلقة، وإنما سلطة مقيدة بالنص القانوني وبالسبب الذي حدده المشرع. وهنا تظهر أهمية المطابقة الإلكترونية في موضعها الصحيح. فهي أداة للتحقق وليست مصدرًا مستقلًّا لإنشاء أسباب جديدة لوقف الحقوق.

وهذا هو الفارق الجوهري الذي ينبغي ألا يغيب في ظل التحول الرقمي: المطابقة قد تكشف السبب، لكنها لا تنشئ السبب، فالسبب الذي يبرر وقف المعاش يجب أن يكون سببًا يعترف به القانون، وليس مجرد حالة تظهر في النظام الإلكتروني، ومن هنا فإن مسؤولية الجهة الإدارية لا تنتهي عند ظهور نتيجة المطابقة، وإنما تبدأ عندها. فإذا أظهر عدم التطابق، وجب معرفة سببه، وإذا كان السبب تقنيًّا أو إداريًّا، وجب تصحيحه، وإذا كان هناك شك في استمرار شرط من شروط الاستحقاق، وجب التحقق منه، أما إذا ثبت واقعة تؤدي قانونًا إلى وقف المعاش فيكون القرار عندئذ قائمًا على سبب قانوني واضح، ومن هنا فإن المطابقة الإلكترونية ينبغي أن تعمل في اتجاهين: أن تكشف حالات الاستحقاق غير الصحيح، وأن تحمى في الوقت ذاته المستحق من الوقف غير الصحيح.

إن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على الرقابة، وإنما تظهر أيضًا في قدرتها على حماية المواطن من الخطأ الإداري، حتى عندما يكون هذا الخطأ قد وقع داخل منظومة إلكترونية متطورة. فالغاية من التحول الرقمي ليست أن تجعل القرار أسرع فحسب، وإنما أن تجعله أدق، وأكثر شفافية، وأكثر عدالة، وأكثر احترامًا للقانون، وعندما نصل إلى هذه المعادلة، تصبح التكنولوجيا في مكانها الطبيعي: خادمة للقانون، لا بديلًا عنه، وأداة لحماية الحقوق، لا وسيلة لتعطيلها.

زر الذهاب إلى الأعلى