مقالات الرأي

الفرصة المواتية



بقلم: عبد الله ميلاد المقري

الحراك الذي تشهده الساحة الليبية في جانبها العسكري، هو الذي يعيد الأمل في إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، التي قد تمنحها هذه الاجتماعات الفرصة الأخيرة لتحقيق وحدة هذه المؤسسة السيادية، التي ينظر إليها الليبيون باعتبارها الملاذ الأخير. فاجتماعات سرت بين أذرع القوات المسلحة في كامل البلاد، من الضروري أن يتناولها الإعلام ومؤسساته باعتبارها خطوة تستحق التشجيع، وأنها يمكن أن تقطع الطريق أمام محاولات إطالة أمد الفجوة، والحيلولة دون تحقيق وحدة هذه المؤسسة، التي تعرضت لعدوان ممنهج قادته جماعات وتنظيمات مسلحة، وشاركت فيه دول إقليمية وأحلاف عسكرية، بهدف النيل من قوتها ووحدة كيانها وحتى أهدافها الوطنية.

ومن الضروري التوقف، بكل روح إيجابية ووطنية، عند دعوة رئيس الأركان العامة، الفريق خالد حفتر، خلال لقائه برؤساء الأركان النوعية في 15 سبتمبر الماضي، إلى بذل الجهود ومواصلة المساعي الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية، بما يخدم أمن ليبيا واستقرارها ووحدة أراضيها.

ويقيني، وأنا أستعرض هذه الاجتماعات التي عُقدت تباعًا في سرت، وحضرها نائب القائد العام وقادة أركان هذه المؤسسة، أنه يجب التوقف عندها أكثر مما يتم التوقف عند الشق السياسي بين الأطراف المتصارعة، الذي ينبغي أن تبتعد القوات المسلحة عن الانخراط فيه، وأن تركز جهودها على مهمتها الأساسية؛ فالمشهد السياسي الليبي بات أشبه ببركة من المياه الضحلة، تتكرر فيها الأزمات دون أن تصل البلاد إلى مخرج حقيقي.

والسعي إلى وحدة المؤسسة العسكرية ينبغي أن يكون واضحًا، مع تقليل المخاطر التي تستهدف إبقاءها أسيرة للمشروع السياسي، الذي يتمسك أصحابه بالبقاء أكثر في السلطة المجزأة.

إن الأقلام الوطنية مطالبة بإبراز هذه الإيجابيات الداعية إلى الإسراع في توحيد المؤسسة العسكرية، ويتطلب ذلك من بعثة الأمم المتحدة والدول المتدخلة في الشأن الليبي، باستثناء الدول التي لها وجود عسكري احتلالي، أن تدعم هذا التوجه، وأن تضغط على الأطراف السياسية والتشريعية لضرورة التعامل معه بإيجابية.

ومسؤولية الأحزاب السياسية هي الأخرى أن تدعم هذه المواقف، لتحقيق ما يمكن تحقيقه، وأن تكون المؤسسة العسكرية قادرة على استعادة وحدة وجودها على أرض الواقع. وبخلاف ذلك، يكون الشعب الليبي قد فقد الثقة في نجاح أي محاولة لتوحيد المؤسسة، إذا ظلت هذه المحاولات رهينة الأطراف السياسية المتصارعة، أو خاضعة لحساباتها ومصالحها. وبالحقيقة، حتى اتفاق 4+4 أصبح الآن يواجه تحديًا مكشوفًا، وآخر غير ظاهر، يقوم على التلاعب بمخرجاته ومحاولة نقله إلى غير المقصد الذي أُنشئ من أجله. ولهذا، فإن ما يجري من تحرك من قبل قادة هذه المؤسسة السيادية، تتجه إليه قلوب الليبيين باعتبارها المنقذ والمخلِّص من هذا التكدُّس السياسي الوهمي، الذي يصنعه الخارج، بما يشبه الكارثة التي تحلُّ بالبلاد.

إن الإعلام المعاصر، بشاشاته ومنصاته الذكية، يمارس عملية “تخدير ممنهجة” للوعي الإنساني، مُحوِّلًا المواطن من كائن مفكر يبحث عن عدالة اقتصاديَّة وسياسيَّة، إلى مستهلك بليد تستهويه التفاهة وتستهلكه الاستعراضات الفارغة.

إن كسر هذا الطوق يبدأ حتمًا من إعادة الاعتبار للسؤال النقدي، والرفض الواعي لتلك الثرثرة الإعلامية الموجهة.

فإما أن نستعيد عقولنا لتقرير مصائرنا، أو نترك “كلاب حراسة النظام” ونظام التفاهة يكتبون الفصل الأخير من تاريخ وعينا.

زر الذهاب إلى الأعلى