الطولة.. حين يشفع المعروف لصاحبه

محمود امجبر
في ثقافتنا الليبية كلمة صغيرة، لكنها تحمل ميزانًا أخلاقيًّا كبيرًا: «الطولة».
والطولة ليست مجرد موقف عابر، ولا جميلة تُنسى عند أول اختلاف، بل هي ذلك المعروف الذي يظل حاضرًا في ذاكرة الناس، فيجعلهم أكثر إنصافًا مع صاحبه، حتى عندما يخطئ أو يتعثر.
فالليبي عندما يقول: «كان غير ما دار»، لا يعني أنه يبرر الخطأ، وإنما يستحضر تاريخًا من المعروف ليقول إن موقفًا واحدًا لا يكفي لإسقاط إنسان كامل.
ومن هنا، تبدو المقارنات التاريخية والسياسية أكثر تعقيدًا من أن تُحسم بجملة قيلت في لحظة غضب أو بردِّ فعل تحت ضغط الأسئلة.
فقد ظهر في حديث تلفزيوني أخير، بحسب ما نُقل عن المتحدث، ادعاء بأنه قدّم خلال حياته السياسية والإدارية والمهنية والدولية أكثر مما قدمه العقيد معمر القذافي طوال أربعة عقود ونيّف. ومثل هذا القول لا يحتاج إلى غضب في الرد عليه، بقدر ما يحتاج إلى ميزان التاريخ.
فالتاريخ لا يقيس الرجال بما يقولونه عن أنفسهم، وإنما بما تركوه وراءهم من مواقف وأفعال وآثار، وبالسياق الذي عاشوا فيه، وبطبيعة الأدوار التي قاموا بها.
والحديث عن معمر القذافي، شئنا أم أبينا، حديث عن مرحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، وعن تجربة سياسية وثورية تركت آثارًا داخل ليبيا وخارجها، واختلف الليبيون والعرب والعالم حولها اختلافًا واسعًا.
لذلك فإن المقارنة ليست بهذه البساطة.
أما «الطولة» التي يعرفها الليبيون، فهي شيء آخر.
قد تشفع للرجل في أخطاء كثيرة، وقد تجعل الناس يتذكرون له موقفًا طيبًا كلما رأوا منه موقفًا آخر لا يرضيهم. لكنها لا تمنحه حق كتابة التاريخ من جديد، ولا تجعل الجميلة الواحدة أكبر من كل ما فعله الآخرون.
وكذلك، فإن المعروف لا يطلب من الناس أن يكذبوا أعينهم، ولا أن يزوروا ذاكرتهم؛ إنما يعلمهم شيئًا من الإنصاف.
فمن كانت له طولة، بقيت له في قلوب الناس مساحة، ومن كانت له مواقف وطنية أو إنسانية أو نضالية، فإن تلك المواقف لا ينبغي أن تُمحى لمجرد اختلاف سياسي أو خصومة تاريخية.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقول: «أنا قدمت»، وبين أن يقول التاريخ: «لقد قدمت».
الأولى شهادة صاحبها على نفسه، أما الثانية فهي شهادة الزمن والناس والوقائع.
ولهذا، حين يدخل الغضب إلى المقارنة، تخرج الحقيقة أحيانًا من الباب الآخر.
ويبقى السؤال الأهم ليس: من قال إنه فعل أكثر؟
بل: ماذا فعل كل واحد فعلًا؟ وماذا بقي من فعله في ذاكرة الوطن؟
فهذه وحدها هي المحكمة التي لا تحتاج إلى ميكروفون، ولا إلى شاشة، ولا إلى غضب..
فالتاريخ طويل، وذاكرة الأوطان أطول.
