مقالات الرأي

الإرادة لا تنكسر



محمد علوش

لا ينبغي للفلسطيني أن ينتظر صناديق الاقتراع الإسرائيلية لكي يعرف مصير قضيته، ولا أن يعلِّق إرادته الوطنية على هوية الحكومة التي ستخرج من الانتخابات المقبلة، فالمسألة، في جوهرها، أعمق من تغيير ائتلاف أو تبدل أسماء؛ إنها تتصل بمسار سياسي إسرائيلي تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والعقائدية والاستيطانية، وتلتقي فيه حكومات متعاقبة، بدرجات متفاوتة، عند إدارة الصراع على حساب إنهائه، وإعادة إنتاج الاحتلال باعتباره واقعًا قابلًا للاستمرار.

في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، يتوجه الإسرائيليون إلى الانتخابات البرلمانية، في استحقاق يأتي بعد ثلاث سنوات من الحرب والتحولات العميقة التي أعادت ترتيب أولويات المجتمع والسياسة في إسرائيل، ومن الطبيعي أن تحمل نتائج هذه الانتخابات انعكاسات على المشهد الفلسطيني والإقليمي، وأن تفرض تركيبة الحكومة المقبلة إيقاعًا معينًا على الملفات المرتبطة بغزة والضفة الغربية والاستيطان والعلاقة مع الولايات المتحدة، لكن الخطأ السياسي هو أن يتحول هذا الاستحقاق الإسرائيلي إلى مساحة للانتظار الفلسطيني أو إلى رهان على تبدل داخلي في إسرائيل، فالانتخابات، مهما كانت نتائجها، لا تلغي حقيقة أن الصراع يدور على الأرض قبل أن يدور في صناديق الاقتراع، وما يجري في الضفة الغربية، من توسيع للاستيطان وتغيير للوقائع الجغرافية وتصاعد في عنف المستوطنين، لا ينتظر تشكيل الحكومة المقبلة، وكذلك فإن واقع غزة لا يزال مفتوحًا على ترتيبات لم تستكمل شروطها السياسية والأمنية، فيما تشير المعطيات الراهنة إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء واسعة من القطاع وتعثر ملفات الانسحاب وإعادة الإعمار.

وهنا تكمن خطورة اللحظة الفلسطينية، فإسرائيل لا تتعامل مع الزمن باعتباره زمنًا محايدًا، فالزمن، في الحساب الاستيطاني، يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية؛ كل يوم يمر يمكن أن تنتج فيه الأرض واقعة جديدة، ويمكن أن تتحول المستوطنة إلى حي، والبؤرة إلى تجمع، والطريق الالتفافي إلى حدود فعلية، والإجراء المؤقت إلى قاعدة دائمة. لذلك فإن معركة الفلسطينيين ليست فقط ضد قرار إسرائيلي محدد، وإنما ضد عملية تراكمية تهدف إلى جعل الاحتلال أكثر رسوخًا وأقل قابلية للعكس.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس انتظار حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالًا أو التعويل على أن تبدُّل الائتلافات سيقود تلقائيًّا إلى تبدُّل جوهري في السياسة، فقد أظهرت التجربة أن مساحة الاختلاف داخل السياسة الإسرائيلية لا تعني بالضرورة اختلافًا مماثلًا حول جوهر السيطرة على الأرض ومحددات الأمن والاستيطان، وما يمكن أن يتغير هو الأدوات والإيقاع والخطاب، بينما يبقى الصراع على الأرض قائمًا. كما أن تركيبة الكنيست المقبلة ستكون نتاجًا لتوازنات إسرائيلية داخلية شديدة التعقيد، ولا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة بين حكومة تعني التصعيد وأخرى تعني التسوية.

الأهم فلسطينيًّا أن ندرك أن قوة الاحتلال لا تستمدها فقط من قدرته العسكرية، وإنما أيضًا من قدرته على فرض الإيقاع السياسي للصراع، بحيث يجد الفلسطيني نفسه في كثير من الأحيان منشغلًا برد الفعل على ما تفعله إسرائيل، بدلًا من امتلاك أجندة سياسية مستقلة تفرض حضورها على المشهد، وهذه هي المعركة الحقيقية: من يحدد جدول أعمال الصراع؟

إذا كان الاحتلال يريد أن يجعل الاستيطان أمرًا واقعًا، وأن يحوِّل السيطرة العسكرية إلى بنية سياسية وجغرافية دائمة، فإن الرد الفلسطيني لا يمكن أن يكون بمجرد الاعتراض على كل إجراء على حدة، بل ببناء استراتيجية وطنية قادرة على الربط بين الأرض والسياسة والقانون والدبلوماسية والمقاومة الشعبية والوحدة الداخلية، فالحق الفلسطيني يحتاج إلى قوة سياسية تحميه، وإلى مؤسسات تستند إلى شرعية شعبية، وإلى قرار وطني واضح لا يتبدل بتبدل الظروف.

ولا يمكن فصل ذلك عن ضرورة حماية النظام السياسي الفلسطيني من التفكك والانقسام، فكلما انقسم الفلسطينيون، اتسعت المساحة التي يستطيع الاحتلال أن يتحرك فيها، وكلما غابت وحدة المرجعية والقرار، أصبح من الأسهل على إسرائيل أن تتعامل مع القضية باعتبارها مجموعة ملفات أمنية وإنسانية وجغرافية منفصلة، بدلًا من كونها قضية شعب يملك حقوقًا وطنية وسياسية غير قابلة للتجزئة.

أما الدعم الأمريكي لإسرائيل، فهو أحد العناصر الأساسية التي تزيد صعوبة المواجهة وتمنح إسرائيل هامشًا واسعًا في إدارة الحرب والسيطرة العسكرية، لكن الدعم الخارجي، مهما بلغ، لا ينبغي أن يتحول في الوعي الفلسطيني إلى تفسير كامل لموازين الصراع، فالتاريخ السياسي لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، وإنما تصنعه أيضًا قدرة الشعوب على الصمود، وعلى تحويل حقوقها إلى قضية سياسية وقانونية وأخلاقية يصعب تجاوزها، وقد أظهرت التطورات الأخيرة استمرار الخلافات الدولية حول السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك تصاعد الضغوط الأوروبية المرتبطة بالاستيطان.

إن المعركة مع الاحتلال صعبة، ومصيرية، ومستمرة. ولا يجوز أن نجمِّل صعوبتها أو نقلل من حجم الاختلال في موازين القوة. لكن الاعتراف بصعوبة المعركة شيء، والاستسلام لمنطقها شيء آخر، فالاحتلال يريد للفلسطيني أن يقتنع بأن لا جدوى من الفعل، وأن كل شيء تقرره إسرائيل، وأن أقصى ما يمكن فعله هو انتظار القرار التالي، وهذه أخطر نتيجة يمكن أن تنتجها موازين القوة: أن يتحول التفوق العسكري إلى هزيمة في الإرادة، لذلك، فإن الأولوية الفلسطينية اليوم ليست معرفة من سيجلس في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية فقط، وإنما معرفة كيف سنحمي نحن قضيتنا، وكيف سنمنع تحويل المرحلة الانتقالية إلى مرحلة تثبيت دائم للاحتلال، وكيف نحافظ على الأرض والهوية والقرار والحقوق.

لن يكون الطريق سهلًا، ولن تنهي الانتخابات الإسرائيلية الصراع، أيًّا كانت تركيبة الحكومة المقبلة، وربما تتغير الحكومة، وتتغير الأدوات، وتتبدل التحالفات، لكن فلسطين لا تستطيع أن تنتظر إسرائيل كي تحدد لها ما الذي ينبغي أن تفعله، والمطلوب أن تبقى الإرادة الفلسطينية أقوى من انتظار النتائج، وأن يبقى القرار الوطني أقوى من ضغط الوقائع، وأن ندرك أن الاحتلال يراهن على الزمن بقدر رهانه على القوة؛ ولذلك، فإن حماية المستقبل تبدأ من رفض تحويل الحاضر إلى أمر واقع، فالمعركة لا تحسم فقط بمن يملك القوة، وإنما أيضًا بمن يملك القدرة على ألا يفقد إرادته.

زر الذهاب إلى الأعلى