مقالات الرأي

الدعوة لشعارات كانت مغرضة!!



مصطفى الزائدي

يدّعي كثير من الفبرايريين الذين يظهرون الموضوعية والعقلانية أن من أهم أسباب تحركات فبراير كون ليبيا بلدًا غنيًا بموارد ضخمة من نفط وغاز ومعادن وما إليها، وأن القذافي رحمه الله أبقى شعبها فقيرًا في مستوى حياة متدنٍ، مقارنة بشكل الحياة في دول الخليج النفطية، رغم الفارق الكبير في حجم النفط والغاز المستخرج من ليبيا والخليج، وحجم السكان ومساحة الأرض، وآلية التعامل مع الدول الأجنبية المستحوذة على نفط الخليج.

ودون الحاجة إلى الخوض في جدال حول ذلك ومدى صدقيته ومقاربته للواقع، وعلاقته بحملات الدعاية والتشويه لثورة الفاتح، فالضرورة تدعو إلى طرح السؤال، ما حال الليبيين اليوم بعد 15 عامًا من إسقاط الدولة الجماهيرية وإقامة “دولة ليبيا” على أنقاضها؟

ما مصير الموارد الطبيعية؟ هل تبخرت؟ وهل تحول الليبيون إلى شعب غني مرفه، يحصل على الخبز توصيلًا إلى البيت بسيارات مرسيدس؟ وهل ارتفعت الأبراج الشاهقة كما وعدوه في تلك الأيام؟

وهل يتمتع الليبي فعلًا بثرواته ولو في الحدود الدنيا، أم ينظر إليها بحسرة وهي تنهب أمام عينيه؟ والنفط يهرب سرًا وعلنًا للخارج دون حسيب ولا رقيب، وحفنة من اللصوص استحوذوا على ثمنه، فتشكلت طبقة قليلة من أغنياء مترفين يتصرفون كأمراء، بينما أغلب الليبيين بالكاد يؤمّنون رغيف الخبز، وصار تناول اللحم والدجاج وحتى البيض أحيانا من الكماليات!

وصار همهم اليومي اللهث من طابور البنزين إلى طابور الغاز، فطابور المصرف، وينتظرون عودة الكهرباء لينتظروا متى تقطع ثانية!

ليتهم صبروا بضع سنين قبل أن يقطعوا على أنفسهم وعودًا ليسوا مقتنعين بها ولا قادرين عليها، ولا يملكون النية لتنفيذها أصلا، فعندها سنعدم نحن أنصار ثورة الفاتح المنطق للحوار معهم! لكن الزمن فضحهم وكشف زيفهم، لكنه للأسف دفع الليبيون للندم متأخرًا فلم يعد بنافع لهم!

أغلب الليبيين أدركوا أي كارثة أصابتهم وأي فقدان أصابهم، فلقد كانوا شعبًا آمنًا مطمئنًا، في رغد من العيش رغم ثبات وتدني المرتبات، يتلقون رعاية صحية واجتماعية وتعليمًا متطورًا ومجانًا، ويحصلون على السلع والمواد الأساسية والسلع المعمرة بأسعار شبه رمزية مدعومة من الدولة، يحصل محدودو الدخل منهم على مساكن عامة مجانًا، والبقية يبنون مساكنهم بقروض بدون فوائد، تسترد على مدى يقارب نصف قرن، وكانت موارد الدولة الليبية تستثمر لمصلحة الأجيال الحاضرة في تلك المرحلة والأجيال اللاحقة، لم يسمح بالعبث في موارد النفط والغاز والمعادن وما إليها، وتحولت أغلبها إلى مشروعات زراعية وصناعية كبرى واستراتيجية، وتم تأسيس بنى تحتية كبيرة في مجالات الكهرباء والطاقة والاتصالات والنقل، لكن الأهم كان البنية التحتية الكبيرة في قطاع الصحة وإعداد موارد بشرية مكنت من تلييب كلي لهذا القطاع الحساس والمهم، كذلك الانتشار الكبير الواسع في التعليم وتحويل الليبيين من فقراء معدمين يعملون لدى الإيطاليين واليهود والإنجليز والأمريكان إلى شعب مقلوب الهرم، حيث أغلبية شبابه من حاملي الشهادات الجامعية، ففتحت جامعة في كل مدينة تقريبًا، وتم بناء كوادر بشرية مقتدرة في الاقتصاد والقانون والمحاسبة والطيران والهندسة!

رسالتي إلى النخب الفبرايرية، لا يكفي فقط الاعتراف بأخطاء فيما بعد فبراير، ولا انتقاد الصراع الدائر من أجل الاستفراد بالسلطة، المطلوب الخروج من عقدة الماضي متلازمة تجريم القذافي المرضية، بل إلى النظر في الجوانب المضيئة لثورة الفاتح التي كان مشروعها الأساس بناء دولة مستقلة آمنة يتساوى فيها الليبيون في كل شيء، وينتفي فيها التفاوت الطبقي والاجتماعي.

ولنطرح من جديد السؤال الذي لم يكن موضوعيًا في الماضي بغرض موضوعي، كيف يكون الليبيون فقراء معدمين في بلد غني تهدر موارده ويعبث بها علنا وعلى عينك يا تاجر؟

زر الذهاب إلى الأعلى