متجذرة التفوق النسائي

بقلم / عفاف الفرجاني
أصدر المجلس الأعلى للهيئات القضائية قرارًا بتعيينات جديدة داخل السلك القضائي، وهو القرار رقم 97 الذي يضع عددًا من الكفاءات في مراكز مرموقة داخل القضاء. اللافت في هذا القرار أن جميع التعيينات الواردة فيه غير مصنفة رجالًا ونساءً على حد سواء، إلا أن عدد النساء، تفوق وأضعاف أضعاف عدد الرجال، وهو ما يعكس تحولًا بنيويًّا وليس إجراءً رمزيًّا.
النص القانوني للقرار يكشف عن مسار مؤسسي رصين. فقد صدر بعد الاطلاع على الإعلان الدستوري المؤقت وتعديلاته، وعلى منظومة القوانين المنظمة للقضاء وإدارة القضايا والمحاماة العامة وإدارة القانون الصادرة قبل عام 2011، وعلى الحكم الدستوري الصادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وبناء على عرض إدارة التفتيش على الهيئات القضائية وتداول المجلس في اجتماعه العادي. هذه الديباجة تؤكد أن هذا التمكين استند إلى شرعية قانونية متكاملة وليس إلى توصية ظرفية.
قراءة أول القرار وآخره، كما تظهره الأوراق الرسمية المنشورة على موقع المجلس، تبرز دلالة كمية ونوعية. فمن درجة رئيس محكمة استئناف إلى درجات المحاماة العامة، الحضور النسائي هو القاعدة. كما أن القرار يمتد على عشرات الصفحات ويتضمن ملاحق تضم مئات الأسماء، وهو ما يشير إلى حركة قضائية واسعة وليست ترقية محدودة، وتغلب عليها الكفاءات النسائية.
هذه الصورة تتناقض مع الخطاب الذي تروجه بعثه الأمم المتحدة والمجتمع الغربي ككل، حول الحاجة إلى تمكين المرأة في ليبيا. فالتمكين في ليبيا ليس مشروعًا مستوردًا. المرأة الليبية تمكنت منذ سبعينيات القرن الماضي. فهي القاضية التي اعتلت المنصة، والمحامية التي ترافعت، ووكيلة النيابة التي حققت، والطبيبة التي عالجت، والعسكرية التي تخرجت من الأكاديميات الخاصة بالمرأة منذ عقود، في وقت كانت فيه دول كبرى تناقش دخول المرأة إلى كليات الحقوق.
من الناحية العلمية، نسبة تمثيل المرأة في السلك القضائي الليبي تقارب الأربعين في المئة في بعض التقديرات، وهي نسبة تتجاوز كثيرًا من الدول التي تقدم نفسها كنموذج في المساواة. التحليل المؤسسي لهذا القرار يظهر أن معيار الكفاءة والأقدمية والتفتيش القضائي هو الأساس، وليس الحصص.
كما أن نشر القرار على الموقع الرسمي مع ختم المجلس وتوقيعه وتحديد تاريخ العمل به من تاريخ صدوره ونشره بالجريدة الرسمية يعطيه قوة النفاذ القانوني. لذلك فإن الحديث عن دعم وتمكين يجب أن ينطلق من هذه الوقائع الموثقة لا من تقارير مكررة تعتمد على عينات محدودة.
هذا التوازن بين المنصب والأسرة، بين القوة والحشمة، هو ما يميز التجربة الليبية ويجعلها قابلة للتصدير لا للاستيراد. للبعثة الأممية ومنظمات المجتمع المدني أن تعكس بوصلتها، من استيراد وصفات التمكين إلى تصدير التجربة الليبية. تجربة حققت النجاح المضاعف: تفوق مبهر في معترك العمل، وتقدم مهني في أرفع المناصب، مع حياة أسرية متماسكة. في المقابل، حول الغرب المرأة إلى آلة، آلة أنتجت الأرقام وفشلت في حفظ بنية الأسرة.
