خريف يحرك الساكن

بقلم / فرج بوخروبة
تدخل ليبيا خريفها هذا العام وهي تمشي على حبلٍ مشدود، يتجاذبه فرقاء لا يقدر أحدهم أن يمضي وحده، ولا يرضى أن يمضي مع غيره. وبين هذا الشد والجذب، يبرز ما استقر عليه المشهد السياسي في هذه الأيام، وفي مقدمته ما انتهت إليه قبة مجلس النواب في بنغازي.
فقد انعقدت جلسة مجلس النواب يوم الاثنين الماضي برئاسة مصباح دومة، في غياب رئيس المجلس عقيلة صالح، واعتمد النواب نظام الدورة البرلمانية لانتخاب هيئة رئاسة جديدة. ثم اكتمل النصاب القانوني في الجلسة التالية، وأسفرت النتائج عن اختيار الصالحين عبدالنبي رئيسًا للمجلس، وطارق الأشتر نائبًا أول، ومصباح دومة نائبًا ثانيًا.
وفي ذلك دلالة لا تخفى؛ فالمجلس الذي لازمه اسم واحد سنواتٍ طوالًا طوى صفحة وفتح أخرى، والبرلمان الذي اعتاد الناس أن يروه ساكنًا أثبت أنه قادر على الحركة حين يتوافر النصاب وتتوافق الإرادات. أما إجماع النواب على نائبه الثاني، فيحمل رسالة إلى أن البيت الداخلي ما زال قادرًا على التماسك، وإن كان الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الاختيار؛ إذ لا تُقاس الرئاسات بما يُقال عند توليها، وإنما بما يتحقق في ملفات الانتخابات، والحكومة، والتشريعات المعطلة.
ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عما يجري في طرابلس؛ فالمجلس الأعلى للدولة أعلن إسقاط عضوية اثنين من أعضائه لمشاركتهما في اجتماعات اللجنة المصغرة المعروفة بـ«4+4»، وكأن مجرد الجلوس إلى طاولة الحوار أصبح، في نظر بعض الأطراف، موضع مساءلة وعقوبة. وفي المقابل، يتمسك مجلس النواب بمخرجات هذه اللجنة، بينما تعترض تنفيذها عقبات على الأرض.
وهنا تكمن المفارقة؛ فمسار وُلد ليجمع أبناء الوطن الواحد على كلمة سواء، صار هو نفسه موضع خلاف جديد، حتى ليحسب المتابع أن الخصومة في ليبيا تتغذى أحيانًا على كل محاولة لإنهائها.
ويواصل رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة لقاءاته الدبلوماسية، وكان آخرها لقاؤه سفير الهند لبحث العلاقات الثنائية ومستجدات الوضع السياسي، فيما شارك رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في اجتماع إفريقي رفيع المستوى. وهي تحركات تقول إن الأبواب الخارجية ما زالت مفتوحة، أما الباب الداخلي فما زال يحتاج إلى مفتاح لم يجده الجميع.
وفوق هذا كله، يخيّم ظل الأمم المتحدة؛ إذ تنتهي ولاية بعثتها للدعم في ليبيا في الحادي والثلاثين من أكتوبر، وينعقد مجلس الأمن خلال هذا الشهر لبحث التطورات وما ينتظر البعثة بعد ذلك. والسؤال المتردد في المجالس: هل يتجدد التفويض بصيغته المعتادة، أم تدخل عليه تعديلات تعكس ضيق العواصم الكبرى بطول الانتظار؟
وأيًّا كان الجواب، فالمؤكد أن الليبيين سئموا أن يكون مصيرهم معلقًا على جداول أعمال تُكتب في نيويورك، وأن هيئة الرئاسة الجديدة في بنغازي تملك اليوم فرصة لتُقنع الداخل والخارج بأن في ليبيا من يستطيع الإمساك بزمام أمره، متى توافرت الإرادة وتقدمت المصلحة الوطنية على حسابات المواقع.
وإلى جانب السياسة، يقف الاقتصاد شاهدًا على ما نفقد؛ فقد تحدثت التقارير عن قفزة في إيرادات النفط رغم تراجع الإنتاج واضطرابات حقل الشرارة. وهو خبر يُفرح من وجه ويُقلق من وجه آخر؛ لأن الاعتماد على سعر يتقلب، لا على إنتاج مستقر، مغامرة لا يقبلها من يخطط لمستقبل بلاده.
وتقابل ذلك أنباء عن فاقد نفطي يلتهم جزءًا من العائدات، فيتبدد في الطريق ما كان ينبغي أن يصل إلى الناس. فالثروة التي لا تبلغ المعلم والموظف العام والمتقاعد والمريض تظل رقمًا في نشرة الأخبار، لا أثر له على المائدة.
وهذا ما يفسر جانبًا من حال المدارس والجامعات هذه الأيام؛ فالمعلمون يطالبون بمستحقاتهم، ونقابة التفتيش التربوي علَّقت عملها الميداني إلى حين الاستجابة لمطالبها، ونقابة موظفي كلية التقنية الكهربائية والإلكترونية في بنغازي دخلت في اعتصام مفتوح. وفي المقابل، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة استئناف الدراسة يوم الأربعاء الماضي، مع بدء العمل على تحقيق العدالة في المرتبات. وهي وعود تحتاج إلى من يحولها من كلمات إلى كشوف؛ فالمعلم الذي يُطلب منه أن يبني العقول لا يصح أن يُترك منتظرًا راتبه.
ولا يغيب عن المشهد ملف الهجرة؛ إذ تحدثت الأنباء عن تحركات أمنية في صبراتة وزوارة لملاحقة المهاجرين غير النظاميين. وهو ملف تُحمَّل فيه ليبيا ما لا تطيق، وهي تقف بين ضغط الضفة الأخرى من المتوسط، ومآسي القادمين من أعماق القارة.
وإذا جمعنا هذه الخيوط، وجدنا بلدًا لا ينقصه المال، ولا الموقع، ولا الكفاءات، وإنما تنقصه الإرادة الجامعة التي تقدم الوطن على المقعد.
فكل خلاف على رئاسة، وكل اشتباك على لجنة، وكل تأخير في مرتب، وجه من وجوه سؤال واحد: متى تستقر الدولة على قاعدة يرتضيها أهلها؟
والصحيح، كما يقول أهلنا: «ما يصحّ إلا الصحيح». وما لم تُبنَ المؤسسات على توافق حقيقي، وانتخابات تعيد الكلمة إلى أصحابها، ستظل الوجوه تتبدل، والحال على حاله.
ومع ذلك، فليس في الأفق ما يدعو إلى اليأس؛ فالليبيون الذين صبروا على ما صبروا عليه أدرى الناس بأن الأزمات تطول ولا تدوم، وأن لحظة التوافق قد تأتي من حيث لا يُحتسب، إن صدقت النوايا وتراجعت الأنا أمام الوطن.
فليبيا واحدة، مهما ساقتها الرياح على غير وجهتها.
