حل أزمة الفكر والعقل العربي

أ.د زهرة الشتيوي
إن ما تعيشه الأمة اليوم هو أزمة فكرية، تجاوزت كل مظاهر التخلف، الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، إلى ما هو أخطر وأعمق في بنية العقل ذاته، فالمسألة الأزمة، ليست مجرد نقص في الموارد أو قصور في المؤسسات، بل هي، أزمة في طريقة التفكير، وفي مدى قدرة العقل العربي على فهم ذاته والعالم من حوله، لإنتاج حلول خلاقة في مواجهة التحديات التي تواجهه.
كما إن أزمة الفكر العربي ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة قرون طويلة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تركت آثارها، وألقت بظلالها على مستوى وعي الإنسان العربي، جعلته أسير ماضي يحن إليه أو حاضر مرتبك يهرب منه إلى مستقبل غامض يخشاه.
وإذا أردنا المقارنة في حل أزمة الفكر العربي، فعلينا أن نعترف أولا بوجود الأزمة، وأن نمتلك شجاعة النظر إلى في جذورها ومحتواها، فالعقل العربي في فترات الازدهار الحضاري، كان عقلا مبدعا منتجا، تميز بالانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، بالقدرة على توثيق النص والعقل والتفكير، بين الإيمان والبحث العلمي، وبين الأصالة والانفتاح، غير أن عصور الانحطاط شهدت انكماش في هذا العقل وانغلاقه في دوائر النقل والتقليد، حتى غلب عليه الجمود وانطفأت فيه جذوة النقد والإبداع.
منها، الجذر الأول، الذي يتمثل في غياب التفكير النقدي، فقد ترسخ في وعينا الجمعي، أن الأفكار الكبرى لا تناقش، وإن التراث لا يمس، إلا بالتبجيل مما جعلنا نستهلك الماضي دون إعادة قراءته في صور الحاضر، هذا القصور في النقد الذاتي، مما أدى إلى تراكم الأفكار الجامدة ومنع العقل من التفاعل الحي مع كل المتغيرات، والحل هنا يكمن، في غرس ثقافة السؤال، وتعليم الأجيال بأن النقد ليس هدما، بل هو وسيلة للبناء.
أما الجذر الثاني هو حالة ضعف التعليم النوعي فقد تحول التعليم في بلادنا إلى عملية تلقين في المعلومات، بدل أن يكون تدريبا على التفكير والتحليل واستنساخ وإنتاج أفكار جديدة، ظل الطالب يخرج من الجامعة محملا بمقررات نظرية، لكنه عاجز عن تحويلها إلى أدوات لفهم الواقع أو تغييره، وهنا الأمر يتطلب إصلاحا جذريا للمناهج بحيث تنتقل من الحفظ الآلي إلى التدريب على البحث العلمي والتفكير، بدلا من التلقين السلبي إلى المشاركة الفعالة، مع ربط العلوم والمعارف بحاجات المجتمع ومتطلبات العصر بالتحديث الإيجابي عصرنة وحداثة وتنمية مجتمعية مستدامة.
أما الجذر الثالث، هو الخوف من حرية التفكير في مجتمعات يغلب عليها هاجس السيطرة على العقول، عندما يصبح التعبير عن الأفكار مغامرة غير مأمونة العواقب ظل تنفيذه مستحيلا، فيلجأ المفكرين والمبدعين إلى الصمت أو الهجرة أو الانطواء على الذات، فلا يمكن لأي فكر أو عقل أن يزدهر في بيئة قمع الحرية والرأي والفكر؟ أو تعتبر الاختلاف تهديدات، الحل، هنا واضح، لابد من ضمان مناخ حر ينتج تداول الأفكار ويحمي المبدعين من سطوة السلطات ويشجع التنوع الفكري، بوصفه ثروة لا خطر.
إلى جانب هذه الجذور بالبحث العميق، في معرفة بأن هناك عوامل أخرى تغذي الأزمة منها الانقسام السياسي والمذهبي، الذي يفتت الوعي، ويجعل العقل والفكر العربي أسيرا لولاءات ضيقة، منها التبعية الثقافية وموروثها الثقافي والاجتماعي، الذي يجعلنا مستهلكين للمنتج الفكري الغربي دون القدرة على الإضافة، والتكيف بما يغذي الفكر بالجديد.
فإن حل مشكلة الفكر العربي تتطلب مشروعا حضاريا متنوعا متكاملا، يقوم على مرتكزات أساسية في أربعة محاور أكثر أهمية منها،
إصلاح منظومة التعليم فلا نهضة لعقل وفكر الأمة دون تعليم يحترم قدرات المتعلم، ويمنحه الأدوات اللازمة للإبداع.
2، ترسيخ ثقافة الحرية، الحرية الفكرية، وبأن الحرية الفكرية ليست ترفا، بل شرط أساسي لسلامة التفكير العربي.
3، بناء مؤسسات بحثية قوية مراكز فكر وبحث علمي بمثابة مصانع للأفكار، تقود الأمم بالعالم العربي إلى الاستثمار في البحث العلمي.
4، كما إن للإعلام والثقافة الجماهيرية دور حاسم في إعادة تشكيل قوة فكرية عربية، تشكيل الفكر العربي المنتج.
أما على الصعيد الفردي، كل مواطن مدعو للإصلاح، إلى أن يبدأ بإصلاح عقله بنفسه عبر التوعية، والقراءة والاطلاع على تجارب الغير الفكرية العالمية، إن حل أزمة الفكر العربي، ليست بالأمر السهل، فلا يمكن لمشروع إصلاح وبناء أن ينجح إذا بقت المسؤولية ملقاة على عاتق الحكومات وحدها، بل يجب أن يكون جهدا جماعيا، إن أزمة العقل العربي ليست قدرا محتوما، بل يمكننا أن نتجاوزه بالتفكير الجاد والجرأة على النقد والاستثمار في الإنسان، للضمان تنمية في العقل والفكر لتنمية مجتمعية مستدامة.
