المعلمون والحقوق المؤجلة.. وعود وخيبة أمل لا يوقفان الإضراب

متابعات – الموقف الليبي
لم يبدأ الموسم الدراسي في ليبيا هذا العام بجرس المدرسة، ولا بعودة التلاميذ إلى مقاعدهم، بل بدأ بسؤال مؤجل منذ سنوات: ماذا بقي من حقوق المعلم حين تصبح القوانين عاجزة عن تحويل النصوص إلى واقع؟
منذ الأيام الأولى لانطلاق الدراسة، خرج المعلمون إلى ساحات الاعتصام، ثم تطور الاحتجاج إلى إضراب عام شمل مدارس البلاد، في مشهد يتجاوز -في دلالاته- مسألة المرتب أو العلاوة أو الفروقات المالية. فالمعلم الذي يرفع صوته اليوم لا يطالب بامتياز عابر، وإنما يضع أمام الدولة ملفًا متراكمًا من الحقوق والاستحقاقات: راتب يتناسب مع أعباء المعيشة، فروقات مالية لم تُسوَّ، تأمين صحي له ولأسرته، علاوات ومزايا وظيفية، وتطبيق فعلي للتشريعات التي تنظم مهنته وتحفظ مكانته.
لكن خلف هذه المطالب يقف سؤال أكبر: كيف وصلت الدولة إلى لحظة يصبح فيها فتح أبواب المدرسة مرتبطًا بإغلاق ملف حقوق المعلم؟
هنا تتجاوز الأزمة حدود النقابة والحكومة، لتكشف خللًا في إدارة واحدة من أهم وظائف الدولة. فحين تتأخر الحقوق، وتتراكم الاستحقاقات، وتبقى القوانين معلقة بين النص والتنفيذ، لا يعود الإضراب مجرد احتجاج مهني، بل يصبح انعكاسًا لأزمة أعمق في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي الجهة الأخرى يقف الطالب وولي الأمر، وهما يدفعان ثمن أزمة لم يصنعاها. فحق المعلم في حياة مهنية كريمة لا ينبغي أن يتحول إلى خصم من حق الطالب في التعليم، كما أن انتظام الدراسة لا يمكن أن يكون ذريعة لتأجيل حقوق المعلمين مرة أخرى.
لهذا، فإن أزمة المعلمين ليست معركة بين طرفين، ولا قضية مرتب واحد، وإنما اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق معادلة تبدو بديهية: معلم مصان الحقوق، وطالب مصان الحق في التعليم، وقانون لا يبقى حبرًا على ورق.
فإذا كانت المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطالب معنى الدولة والقانون، فإن ما يجري اليوم يطرح سؤالًا قاسيًا على الدولة نفسها: كيف نطلب من المعلم أن يعلِّم احترام القانون، بينما تنتظر حقوقه طويلًا حتى يُنفذ القانون؟
من الاعتصام إلى الإضراب
بدأت النقابة العامة للمعلمين اعتصامها مع انطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر، مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والرواتب، وتوفير التأمين الصحي الشامل للمعلم وأسرته، وتفعيل التشريعات الضامنة لحقوق المعلم، وصرف فروقات القانون رقم 4.
ومع عدم الوصول إلى تسوية اعتبرتها النقابة كافية، انتقل التصعيد إلى إعلان الإضراب العام في 27 سبتمبر، لتدخل العملية التعليمية في أزمة مفتوحة امتدت إلى مدارس مختلفة في أنحاء البلاد.
وبذلك، لم تعد القضية محصورة في مطالب نقابية يمكن احتواؤها عبر اجتماع أو وعد حكومي، بل أصبحت اختبارًا لقدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع ملف اجتماعي واسع يمس المعلمين والطلاب والأسر، ويتصل -بصورة مباشرة- بمستقبل التعليم.
عندما لا تكفي القوانين
المفارقة الأبرز أن جزءًا مهمًّا من مطالب المعلمين لا يتعلق باستحداث حقوق جديدة، وإنما بتطبيق حقوق وردت أصلًا في التشريعات.
فالقانون رقم 4 لسنة 2018 نظم مرتبات العاملين في قطاع التعليم وعلاواتهم ومزاياهم، وتضمن أحكامًا تتعلق بالرعاية الصحية والاجتماعية والتأمين والحماية المرتبطة بالمهنة.
وبالتالي فإن جوهر المشكلة، في جانب منه، هو الفجوة بين النص والتنفيذ.
فحين يصدر قانون ينظم حقًّا ثم تمرُّ سنوات دون تسوية كاملة للاستحقاقات المرتبطة به، فإن المشكلة تتحول من مشكلة تشريع إلى مشكلة إدارة وتنفيذ وتمويل ومساءلة.
وهنا تحديدًا يصبح ملف الفروقات المالية واحدًا من أكثر الملفات حساسية، لأن المعلم لا ينظر إليها باعتبارها منحة يمكن أن تمنحها الحكومة أو تؤجلها، بل باعتبارها استحقاقًا مرتبطًا بقانون وقرارات سابقة.
ليست المشكلة في المرتب وحده
من الخطأ اختزال الأزمة في رقم المرتب. المعلم يريد أن يعرف ما الذي يضمن الرعاية الصحية له ولأسرته إذا مرض، وما الذي ينتظره عند التقاعد، وكيف يتم احتساب علاواته، وكيف تعالج سنوات الخدمة والفروقات، وما الحماية التي توفرها الدولة له أثناء أداء وظيفته. كما أن المشكلة تتصل بصورة أوسع بالعدالة في توزيع الموارد العامة.
فالشعور بوجود تفاوت كبير بين العاملين في مؤسسات الدولة من حيث المرتبات والعلاج والمزايا يمكن أن يتحول إلى شعور بالغبن، خصوصًا عندما يواجه الموظف ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، بينما يرى أن فئات أخرى تحصل على مزايا أكبر. وهذا الجانب لا يخص المعلمين وحدهم. فالمجتمع الليبي يحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة المرتبات والمزايا العامة، بحيث تقوم على قواعد واضحة وشفافة، وتراعي المؤهلات والمسؤوليات وطبيعة العمل، بعيدًا عن الاستثناءات والقرارات المتفرقة.
الحكومة والنقابة.. من الحوار إلى فك الاعتصام
دخل ملف حقوق المعلمين مرحلة جديدة يوم الثلاثاء 6 أكتوبر، عندما عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة اجتماعًا مع النقابة العامة لمعلمي ليبيا برئاسة النقيب العام رمضان حموم، بحضور وزير المالية راشد أبوغفة وأمين عام ديوان مجلس الوزراء عادل ظويهر، لبحث الملفات المرتبطة بالعملية التعليمية وحقوق المعلمين.
وأعلن الدبيبة -عقب الاجتماع- استئناف العملية التعليمية اعتبارًا من الأربعاء 7 أكتوبر، مؤكدًا أولوية حق الطلاب في التعليم، ومعلنًا أن جدول المرتبات الموحد سيبدأ العمل به مع مرتب شهر أكتوبر. كما أعلنت النقابة رفع الاعتصام ابتداءً من الأربعاء، عقب ما قالت إنه جملة من القرارات والتفاهمات المتعلقة بحقوق المعلمين.
وشملت الإجراءات المعلنة صرف علاوة الحصة للمعلمين، إلى جانب علاوة مديري المدارس ونوابهم، فيما أعلنت الحكومة لاحقًا عن مكافآت شهرية للقيادات التعليمية، ضمن إجراءات قالت إنها تأتي في إطار دعم القطاع ومعالجة المطالب المطروحة.
لكن إعلان رفع الاعتصام لم ينهِ الأزمة.
حراك المعلمين يرفض.. والإضراب مستمر
في المقابل، أعلن حراك المعلمين رفضه الاجتماع الذي جمع الدبيبة بالنقابة، وتمسكه باستمرار الإضراب والاعتصام إلى حين تنفيذ جميع المطالب بصورة كاملة، معتبرًا أن الحقوق لا تُعالج بمجرد التفاهمات أو الوعود، وإنما بقرارات تنفيذية واضحة وجداول زمنية محددة.
وجدد الحراك مطالبته بصرف الفروقات المالية، وتنفيذ العلاوات والمزايا الوظيفية، والبدء الفعلي في تطبيق التأمين الصحي، إلى جانب إصدار قانون لحماية المعلم وصون كرامته وحقوقه، ومعالجة أوضاع المعلمين المالية والإدارية بصورة شاملة.
وهكذا، وجد ملف التعليم نفسه أمام مشهد جديد: النقابة تعلن فك الاعتصام عقب اجتماعها مع الحكومة، بينما يتمسك الحراك بمواصلة الإضراب، لتصبح القضية مرتبطة ليس فقط بمضمون المطالب، وإنما أيضًا بمدى قدرة الحكومة على تحويل ما أعلنته إلى إجراءات ملموسة.
المعلم والطالب.. لا ينبغي وضعهما في مواجهة
في المقابل، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر للأزمة. فالطالب ليس مسؤولًا عن ضعف المرتب، كما أن ولي الأمر ليس مسؤولًا عن تأخر تنفيذ القوانين. وإغلاق المدرسة لا يحل المشكلة التعليمية، بل ينقل جزءًا من كلفتها إلى الأسر والطلاب.
لقد وجد أولياء الأمور أنفسهم أمام موقف شديد التعقيد: فإذا أيدوا المعلمين، بدوا وكأنهم يقبلون تعطيل الدراسة، وإذا رفضوا الإضراب، بدا الأمر وكأنهم يطلبون من المعلم أن يصمت عن حقوقه. لكن الحقيقة أن الطرفين ليسا خصمين. المعلم وولي الأمر والطالب جميعهم في النهاية أطراف في منظومة واحدة، وأي خلل فيها يصيب الجميع.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ينبغي ألا تكون بين المعلم والطالب، ولا بين النقابة والأسرة، وإنما حول السؤال: كيف يمكن للدولة أن تضمن للمعلم حياة مهنية كريمة، وللطالب عامًا دراسيًّا مستقرًّا؟
الحكومة.. من الحوار إلى التنفيذ
الحكومة ووزارة التربية والتعليم تحدثتا عن الحوار وعن خارطة طريق لمعالجة الملفات العالقة، كما جرت لقاءات مع ممثلي النقابات لمناقشة المطالب. لكن الأزمة أثبتت أن المشكلة لم تعد في غياب الحوار وحده.
المعلمون يريدون قرارات واضحة، وجداول زمنية، وإجراءات يمكن قياسها، وليس مجرد وعود عامة. وهذا مطلب مفهوم في ظل تراكم الملفات لسنوات.
وفي المقابل، فإن الحكومة مطالبة بأن تضع أمام الرأي العام حقيقة الوضع المالي، وتوضح ما يمكن تنفيذه فورًا وما يحتاج إلى مراحل، وما الموارد المطلوبة، ومن يتحمل مسؤولية التنفيذ.
فالحل لا يكون بإغلاق المدارس، كما لا يكون بإصدار بيانات تطالب المعلمين بالعودة إلى العمل دون معالجة جذور الأزمة.
التعليم.. قطاع يستهلك ولا يستثمر
تكشف أزمة المرتبات عن مشكلة أخرى أكثر عمقًا. فإذا كانت النسبة الكبرى من موازنة التعليم تذهب إلى المرتبات، فإن زيادة الإنفاق على الأجور وحدها لا تعني بالضرورة تطوير التعليم.
فالمدرسة تحتاج إلى تجهيزات وصيانة ومختبرات ومكتبات ومناهج وتكنولوجيا، والمعلم يحتاج إلى التدريب والتأهيل، والطالب يحتاج إلى بيئة تعليمية آمنة ومستقرة.
ومن هنا، يجب ألا تتحول أزمة المرتبات إلى معادلة صفرية: إما زيادة راتب المعلم أو تطوير المدرسة.
الدولة مطالبة ببناء معادلة مختلفة تجعل الإنفاق على الإنسان والبنية التعليمية جزءًا من سياسة واحدة.
من يدفع ثمن التأخير؟
كل يوم إضافي تتوقف فيه الدراسة له كلفة. المعلم يخسر جزءًا من دخله واستقراره، والطالب يخسر من زمنه التعليمي، والأسرة تتحمل أعباء إضافية، والحكومة تواجه أزمة ثقة متزايدة، فيما تتراكم الفجوة التعليمية التي يصعب تعويضها لاحقًا.
ولهذا، فإن استمرار الأزمة ليس في مصلحة أي طرف. لكن إنهاء الإضراب بأي صيغة مؤقتة من دون معالجة أصل المشكلة قد يعني تأجيل الأزمة إلى العام المقبل. وهنا تكمن مسؤولية الحكومة والنقابات معًا. الحكومة مطالبة بالحل، والنقابات مطالبة بأن تجعل تحركها وسيلة للوصول إلى الحل لا غاية في ذاته، مع مراعاة أن التعليم مرفق عام، وأن الطالب لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة ضغط.
باب العدالة قبل أبواب المدارس
الحل لا ينبغي أن يقتصر على زيادة هنا أو علاوة هناك، وإنما يتطلب إعادة بناء منظومة عادلة وشفافة للمرتبات والمزايا، تضمن للمعلم حياة كريمة وتأمينًا صحيًّا وبيئة عمل تحفظ مكانته، وتضمن للطالب مدرسة مستقرة ومعلمًا مستقرًّا ومناهج تواكب العصر.
أما الدولة، فعليها أن تنتقل من إدارة الأزمات بمنطق رد الفعل إلى التخطيط والالتزام والتنفيذ. فإضراب المعلمين قد يعطل الدراسة، لكن تجاهل الحقوق المتراكمة يؤجل الأزمة ولا يحلها، ويجعل كلفة المعالجة أكبر.
المطلوب ليس البحث عن منتصر في معركة المعلمين، بل عن حل يعيد المعلم إلى مدرسته، والطالب إلى مقعده، والثقة إلى العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. فالمدرسة يجب أن تفتح أبوابها، لكن قبل ذلك يجب أن تكون الدولة قادرة على فتح باب العدالة.
وهنا يبرز سؤال أوسع: هل يمكن أن تموِّل الدولة، من خلال دخل النفط وحده، المتطلبات المتزايدة لقطاع التعليم، في وقت ينتشر فيه التعليم الخاص بصورة عشوائية وغير منضبطة، على حساب التعليم العام، بينما ينبغي أن يكون التعليم العام المجاني حقًّا متساويًا للجميع؟
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب البحث عن تدابير مبتكرة للنهوض بالتعليم والصحة، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة فيهما، باعتبارهما من أهم القطاعات المرتبطة بحياة الأفراد واستقرار المجتمع ومستقبله.
