احتجاجات أوروبا.. خريفٌ ينذر بالربيع

بقلم: محمد نبيغ
قد يكون من المبكر الحديث عن «ربيع أوروبي»، لكن من المبكر أكثر تجاهل ما يحدث. في فرنسا، بدأت الاحتجاجات من المدارس، ثم اتسعت إلى حركة وطنية شارك فيها طلاب ومدرسون وأولياء، وبلغت التعبئة في 6 أكتوبر مئات الآلاف وفق تقديرات السلطات والمنظمين، وسط مواجهات واعتقالات وإصابات. ويوم، 7 أكتوبر، أعلنت الحكومة الفرنسية تعليق استخدام القنابل الصاعقة في احتجاجات الطلاب بعد إصابة فتى في الخامسة عشرة بجروح خطيرة. هنا لا تكمن أهمية الحدث في عدد المتظاهرين فقط، بل في مساره. احتجاج بدأ من التعليم، ثم خرج إلى الشارع، ثم دخلت إليه النقابات والآباء، ثم أصبح اختبارًا لقدرة الحكومة على إدارة غضب شبابي واسع. وهذه هي اللحظة التي تستحق أن ننظر بعدها إلى الخريطة الأوروبية.
ألمانيا.. الإشارة الثانية: في ألمانيا، لا نتحدث عن انتقال الاحتجاج الفرنسي، فهذا استنتاج لم يثبت بعد. لكن هناك مؤشرًا مستقلًّا ومهمًّا: الشباب الألمان بدأوا هم أيضًا بالنزول إلى الشارع. في سبتمبر شارك آلاف الطلاب في احتجاجات ضد احتمال إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية، وقال منظمو التحركات إن أكثر من 45 ألف طالب شاركوا في نحو مئة مدينة، بينما تؤكد الأرقام الرسمية الجزئية أعدادًا أقل في المدن التي أعلنت الشرطة بياناتها. وفي 2 و3 أكتوبر شهدت برلين ومدن أخرى مظاهرات ضد إعادة التسلح والتجنيد الإلزامي. هذه ليست فرنسا. لكنها قد تكون النقطة الثانية في معادلة أوروبية آخذة في التشكل: جيل شاب يسأل عن التعليم والمستقبل في فرنسا، وعن الحرب والتجنيد والتسلح في ألمانيا. اختلاف المطالب لا يلغي أهمية التزامن.
إيطاليا.. حين يتحول الشارع إلى إضراب: ثم نصل إلى إيطاليا. وهنا قد يتغير شكل الاحتجاج بدل أن يتغير مضمونه. إيطاليا لا تحتاج إلى نسخ النموذج الفرنسي؛ لديها أداة احتجاج أكثر رسوخًا: الإضراب النقابي. وتظهر البيانات الرسمية لوزارة النقل الإيطالية سلسلة إضرابات خلال أكتوبر، بينها تحركات في النقل العام والسكك الحديدية ونقل البضائع، إضافة إلى إضرابات ذات نطاق أوسع في قطاعات مختلفة. لذلك فإن السيناريو الإيطالي، إذا اتسع، لن يكون بالضرورة ساحات ممتلئة بالطلاب، بل تعطيلًا تدريجيًا لعجلة الحياة اليومية.
وهنا تتشكل الصورة: فرنسا: احتجاج شبابي واسع. ألمانيا: تعبئة شبابية حول التجنيد والتسلح. إيطاليا: قدرة نقابية على الإضراب وتعطيل قطاعات. ثلاث دول، وثلاثة أشكال مختلفة، لكن بينها قاسم يستحق الرصد: الشباب، كلفة المستقبل، وحدود قدرة الدولة على الاستجابة.
وهنا يبدأ الاستشراف؛ إذا بقيت هذه التحركات منفصلة، فستظل أزمات وطنية متزامنة. أما إذا بدأت المطالب تتقاطع، وانضمت النقابات بقوة، واتسعت المشاركة خارج الفئات التي بدأت الاحتجاج، وظهرت تحركات متزامنة في دول أوروبية إضافية، فسوف نكون أمام شيء مختلف: ليس «ثورة أوروبية» بالضرورة، بل موجة احتجاج عابرة للحدود. وقد تكون إسبانيا وبلجيكا والبرتغال من الدول التي تستحق المتابعة؛ ليس لأنها «التالية» حتمًا، بل لأن احتجاجات مرتبطة بالتعليم ظهرت بالفعل في بعض هذه البلدان بالتزامن مع الأزمة الفرنسية.
وهنا تصبح قراءة الأحداث أشبه بقراءة الطقس: لا يكفي أن ترى المطر في مدينة لتعلن عاصفة قارية. لكن إذا تغير اتجاه الريح، وتراكمت السحب، وبدأ المطر في أكثر من مكان، يصبح تجاهل المؤشرات خطأً. أوروبا اليوم ليست أمام عاصفة مكتملة؛ لكنها أمام سماء تستحق المراقبة.
والتفصيل الأكثر إثارة أن كل ذلك يحدث في الخريف. سبتمبر حمل الشرارة الفرنسية والألمانية. أكتوبر يختبر قدرتها على الاتساع. ونوفمبر سيكون أكثر أهمية إذا انتقلت الاحتجاجات من المدارس والساحات إلى النقابات والقطاعات الاقتصادية. أما ديسمبر، فقد يكشف إن كانت الحكومات قد نجحت في احتواء الغضب، أم أن الاحتجاج أصبح جزءًا من المشهد السياسي للعام المقبل.
لذلك، لا أقول إن ربيع أوروبا قد بدأ. أقول شيئًا أكثر حذرًا، وربما أكثر أهمية: قد يكون الخريف الأوروبي هو المرحلة التي تتشكل فيها مقدمات ربيع سياسي واجتماعي لم تتضح ملامحه بعد. والسبق الصحفي هنا ليس أن نتنبأ بمن سيخرج غدًا. السبق أن نعرف ما الذي ينبغي مراقبته اليوم حتى لا نفاجأ غدًا.
فإذا اجتمعت أربعة مؤشرات =اتساع قاعدة المحتجين، دخول النقابات الكبرى، انتقال الاحتجاج بين القطاعات، وتزامنه بين دول عدة- فسيتغير توصيف المشهد. عندها لن يكون السؤال: أين توجد مظاهرة اليوم؟ بل: هل بدأ الشارع الأوروبي يتحرك أسرع من قدرة الحكومات على احتوائه؟ وربما عندها فقط سنعرف إن كان ما نراه مجرد خريف مضطرب.. أم أن ربيع شباب أوروبا بدأ فعلًا، لكنه أخطأ موعده.
