ديمقراطية الألم وأخلاقيات الطب

بقلم د.علي المبروك أبوقرين
هناك حقيقة إنسانية لا تحتاج إلى دستور كي تثبت ولا إلى قانون كي تصبح نافذة ولا إلى سلطة كي تفرض حضورها هي إن الجسد البشري لا يعترف بالطبقات ولا بالمناصب ولا بالثروة ولا بالنفوذ. فالمرض حين يدخل الجسد لا يسأل عن اسم صاحبه ولا عن موقعه ولا عن رصيده ولا عن سلطته ولا عن عدد الأبواب التي يستطيع فتحها. الألم لا يعرف الحاكم والمحكوم ولا الغني والفقير ولا صاحب النفوذ ومن لا نفوذ له. أمام الحمى والسرطان والفشل العضوي والعدوى والإعاقة والنزف والموت، تستعيد البشرية شيئا من حقيقتها الأولى، نحن أجساد بشرية متساوية في قابليتها للضعف ومتساوية في حاجتها إلى الرحمة والعلم والرعاية. هذه هي ديمقراطية الألم أعمق أشكال المساواة وأكثرها تجردا من الشعارات. إنها ديمقراطية لا تمنحها صناديق الاقتراع ولا تصنعها القوانين وإنما تفرضها الطبيعة ذاتها. وقد يكون المرض أحد أكثر التجارب الإنسانية قدرة على تذكير الإنسان بأنه مهما بلغ من القوة يحمل جسدا يمكن أن يمرض، ونفسا يمكن أن تتألم وحياة يمكن أن تصبح معلقة على كلمة طبيب أو جرعة دواء أو سرير عناية أو جهاز إنعاش أو يد ممرضة. ومن هذه الحقيقة البيولوجية تنشأ حقيقة أخلاقية وسياسية كبرى وهي إذا كان المرض لا يميز بين البشر فلا يجوز للنظام الصحي أن يفعل ذلك. وإذا كانت الحاجة إلى العلاج لا تتحدد بالقيمة الاجتماعية للإنسان فلا ينبغي أن تتحدد الرعاية الصحية بمكانته أو ثروته أو قربه من السلطة. فالطب ليس امتيازا تمنحه الدولة لبعض مواطنيها ولا منحة من مسؤول ولا مكافأة على الولاء ولا سلعة يتنافس عليها أصحاب القدرة المالية وإنما هو ممارسة إنسانية تقوم على صون الحياة وتخفيف الألم وحماية الكرامة. ولهذا فإن الصحة يجب أن تبقى حقا إنسانيا مجردا، سابقا على السياسة وأرفع من التجاذبات والمصالح. فالإنسان عندما يدخل المستشفى لا ينبغي أن يدخل ومعه هويته السياسية أو الاجتماعية ولا أن تكون فرصته في العلاج مرتبطة بمن يعرف أو بمن يستطيع الدفع. يجب أن يدخل بوصفه إنسانا مريضا وهذه الصفة وحدها كافية أخلاقيا لفتح باب الرعاية أمامه. إن أخلاقيات الطب العامة تبدأ من هذه النقطة ولا يجوز أن يتحول الاحتياج الصحي إلى أداة للسيطرة على الإنسان. فلا ينبغي أن يكون الدواء وسيلة ضغط سياسي ولا العلاج مكافأة انتخابية ولا المستشفى مساحة للتمييز، ولا الخدمة الصحية أداة لمعاقبة الخصوم أو استرضاء المؤيدين ولا المرض بابا جديدا لإنتاج التبعية الاجتماعية. وحين تستخدم الحاجة إلى العلاج لإخضاع الإنسان فإن الطب يفقد عمقه وأساسه الأخلاقي وتتحول الرعاية من فعل إنساني إلى وسيلة سلطة. والحياد الصحي ليس حيادا باردا تجاه الألم وإنما هو انحياز كامل إلى الإنسان. الدولة العادلة تضمن لكل إنسان الفرصة ذاتها في الوصول إلى الوقاية والتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، وفقا لحاجته الطبية وليس وفقا لمكانته الاجتماعية. والطبيب بدوره لا ينبغي أن يرى أمامه سوى المريض وحاجته وأن يجعل العلم والأخلاق معيار القرار وليس المال ولا النفوذ ولا الانتماء. وهنا تلتقي العدالة الاجتماعية بأخلاقيات الطب. فالعدالة الصحية ليست أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن يحصل كل إنسان على الرعاية التي يحتاج إليها دون تمييز أو إذلال أو استغلال. وقد يحتاج طفل إلى عناية مختلفة عن شيخ، وقد يحتاج مريض سرطان إلى علاج أكثر تعقيدا من مريض بمرض بسيط، وقد يحتاج المصاب بإعاقة إلى موارد إضافية تتيح له حياة كريمة. المساواة الحقيقية ليست تسوية الاحتياجات المختلفة وإنما إزالة الامتيازات غير المشروعة والحواجز التي تمنع الإنسان من الوصول إلى ما يحتاج إليه. ومن هنا يصبح تمويل الصحة وتنظيمها واختيار أولوياتها قضية أخلاقية قبل أن تكون قضية إدارية. فالمجتمع الذي يترك الإنسان أمام مرضه رهينة قدرته على الدفع يربط الحق في العلاج بالقدرة الاقتصادية ويجعل الفقر عاملا مرضيا إضافيا. وكلما أصبح العلاج أكثر اعتمادا على المال أصبح المرض أكثر قدرة على تعميق الفوارق الاجتماعية فيصبح الفقير أكثر عرضة لتأخير التشخيص وأكثر اضطرارا إلى تأجيل العلاج وأكثر تعرضا للمضاعفات بينما يستطيع الأكثر قدرة شراء الوقت والخيارات والفرص. إن الصحة العامة هي إحدى مؤسسات العدالة في المجتمع. وهي ليست مجرد مستشفيات وأدوية وأجهزة وإنما عقد أخلاقي يقول للإنسان عندما تمرض لن تُترك وحدك ولن تصبح كرامتك رهينة جيبك ولن يتحول ضعفك إلى فرصة لاستغلالك ولن يكون مرضك سببا في فقدان حقوقك. ولهذا ينبغي أن يكون النظام الصحي محميا من التسييس والجهوية ومن تضارب المصالح ومن التجارة بالألم، ومن احتكار المعرفة والدواء ومن تحويل المرض إلى سوق مفتوحة بلا ضوابط أخلاقية. إن أعظم ما يمكن أن يفعله النظام الصحي هو أن يجعل المرض لحظة يتساوى فيها البشر في الرعاية وليست لحظة تتسع فيها الفوارق بينهم. وأن يجعل المستشفى المكان الذي تتراجع فيه السلطة أمام العلم والثروة أمام الحاجة الطبية والانتماءات أمام الإنسانية ويصبح المعيار الوحيد ماذا يحتاج هذا الإنسان؟ تلك هي فلسفة ديمقراطية الألم أن المرض قد يساوي بين الأجساد لكن العدالة وحدها هي التي تستطيع أن تضمن ألا تعيد المجتمعات إنتاج عدم المساواة داخل الرعاية الصحية. وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تتوقف عند باب المستشفى ولا أن تُقاس بقدرته على الدفع ولا أن تكون رهينة لمنصب أو واسطة أو موقف سياسي. فالصحة ليست منة من أحد والدواء ليس مكافأة والعلاج ليس امتيازا والمريض ليس رقما في سوق. إنها حقوق تتصل بأعمق معنى للإنسان، وبأبسط واجبات الدولة، وبأشرف مقاصد الطب بأن يُصان الإنسان حين يكون ضعيفا وأن يُخفف ألمه حين يتألم وأن تُحمى حياته حين تصبح مهددة وأن يبقى محترما حتى عندما يعجز جسده عن مقاومة المرض. وحين نصل إلى هذه القناعة تصبح أخلاقيات الطب أكثر من مجموعة مبادئ مهنية وتصبح فلسفة مجتمع كامل أن يكون الإنسان إنسانا قبل أن يكون غنيا أو فقيرا، حاكما أو محكوما، قويا أو ضعيفا، وأن تكون حاجته الصحية كافية وحدها لأن يستحق الرعاية. قد تختلف الأمم في أنظمتها السياسية والاقتصادية وقد تختلف في مواردها وقدراتها، لكنها تشترك جميعا في حقيقة واحدة أن كل جسد قابل للمرض وكل إنسان قابل للألم وكل حياة قابلة للانكسار. وحين يفهم المجتمع هذه الحقيقة يصبح بناء نظام صحي عادل ليس مجرد سياسة عامة وإنما وفاء للإنسان نفسه.
