محمد نجيب بوطالب وسؤال المستقبل المغاربي: من فهم المجتمع إلى بناء المستقبل (2)

بقلم/ محمد نبيغ
خامسًا: الهجرة من «قارب الموت» إلى سؤال المجتمع
تأخذ هذه المسألة بعدًا أكثر وضوحًا في أعمال بوطالب الحديثة حول الهجرة.
ففي كتابه «من الكامور إلى أوروبا عبر البلقان: الهجرة السرية بتطاوين عام 2022»، تناول ظاهرة الهجرة غير النظامية من الجنوب الشرقي التونسي ومساراتها الجديدة عبر البلقان. وله كذلك كتاب «الهجرة إلى أوروبا من دول إفريقيا جنوب الصحراء: تحقيقات حول العبور من تونس»، وهو عمل مخصص لدراسة الهجرة ومسارات العبور عبر تونس.
وهنا تتغير زاوية النظر، فالمهاجر ليس مجرد رقم في تقرير أمني، وقارب الهجرة ليس بداية القصة، والحدود ليست نهاية الظاهرة؛ وراء الحركة الفردية شبكة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعائلية والمجالية.
ولهذا فإن معالجة الهجرة تحتاج إلى الجمع بين القانون والأمن والتنمية وعلم الاجتماع، مع فهم الظروف التي تجعل الهجرة خيارًا لدى بعض الشباب، وتأثير شبكات الهجرة في القرار، ومدى ارتباط الظاهرة بفرص العمل والأمل والمستقبل في مناطق الانطلاق. وهذه المقاربة لا تلغي البعد الأمني والقانوني، لكنها تمنع اختزال ظاهرة اجتماعية مركبة في بعدها الأمني فقط.
سادسًا: الريف المغاربي ليس هامشًا: ومن الأعمال الدالة في هذا السياق بحث بوطالب حول «الريف المغاربي كمجال لعولمة مفاهيم العمل الاجتماعي: تونس والمغرب نموذجًا».
وهذا يفتح بابًا أوسع من الحالة التونسية، فالريف في المغرب العربي ليس مجرد مساحة زراعية، ولا ينبغي أن يكون دائمًا الطرف الذي ينتظر أن تصله التنمية من المركز.
إنه مجال اجتماعي واقتصادي وثقافي قادر على إنتاج التنمية إذا أُعيد إدماجه في الدورة الاقتصادية الوطنية.
ومن هنا يمكن أن يكون أحد دروس المقاربة السوسيولوجية أن التنمية المتوازنة لا تعني توزيع الأموال بالتساوي حسابيًّا، وإنما فهم خصوصية كل مجال وبناء سياسة تناسب حاجاته وقدراته وموقعه في الاقتصاد الوطني والإقليمي.
سابعًا: من أعمال بوطالب إلى مشروع للمستقبل: هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يجوز أن ننسب إلى بوطالب برنامجًا سياسيًّا لم يقدمه، ولا أن نحول دراساته إلى «وصفة» جاهزة للدولة المغاربية. لكن يمكننا أن نستخلص من منهجه مجموعة من المبادئ التي تصلح أساسًا للتفكير في المستقبل: أن يبدأ التخطيط من معرفة المجتمع، وأن تكون الدراسة الميدانية جزءًا من صناعة القرار، وأن يُقرأ التاريخ داخل الحاضر، وأن يُفهم المجال المحلي قبل صياغة السياسات العامة، وأن تُدرس التحولات الاجتماعية بدل افتراض ثبات المجتمع، وأن تُراجع المصطلحات والمفاهيم قبل تحويلها إلى برامج وسياسات.
وبذلك يمكن للمغرب العربي أن ينتقل من التخطيط للمجتمع من فوق إلى التخطيط معه من الداخل.
ثامنًا: نحو مرصد مغاربي للتحولات الاجتماعية: إذا أردنا تحويل هذه الرؤية إلى مؤسسة عملية، فإن أحد المشاريع الممكنة هو إنشاء مرصد مغاربي دائم للتحولات الاجتماعية.
لا يكون مجرد مركز إحصائي، وإنما فضاء يجمع بين علم الاجتماع والاقتصاد والجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا والديموغرافيا، ويدرس تحولات الأسرة، والهجرة، وعلاقة الشباب بالمكان، والريف والمدينة، والمناطق الحدودية، والتحولات المحلية، والثقة في المؤسسات، والاقتصاد المحلي، والتحضر، والتحولات الثقافية، وأثر التنمية في الحياة اليومية.
والغاية ليست جمع المعلومات لذاتها، وإنما تحويلها إلى معرفة تساعد الدولة والمجتمع على اتخاذ قرارات أكثر دقة.
فالمهندس يستطيع أن يرسم الطريق، والاقتصادي يحسب كلفته وعائده، والمخطط يحدد موقع المشروع، لكن علم الاجتماع يضيف سؤالًا حاسمًا: كيف سيتعامل المجتمع مع هذا المشروع؟
وهذا السؤال قد يفسر لماذا تنجح مشاريع في مكان وتتعثر في مكان آخر، رغم تشابه الأموال والهندسة والقرارات.
تاسعًا: الدرس المغاربي الأكبر: من تونس إلى الجزائر، ومن ليبيا إلى المغرب وموريتانيا، تختلف البنى الاجتماعية والتاريخية، لكن هناك قضايا مشتركة تتعلق بتغير المجتمعات، وتعايش البنى التقليدية مع الدولة الحديثة، وتحولات المدن والأرياف، وحركة الحدود والهجرة، وعلاقة الشباب بالمستقبل.
وهنا يمكن أن تتجاوز قيمة بوطالب حدود الحالة التونسية، لا لأن كل استنتاجاته تصلح آليًّا لكل بلد مغاربي، وإنما لأن منهجه في قراءة التحول الاجتماعي يمكن أن يكون مدخلًا للمقارنة.
فنحن لا نحتاج إلى «تعميم بوطالب» على المغرب العربي، بل إلى اختبار أدواته في المجتمعات المغاربية المختلفة.
الخاتمة: المستقبل يبدأ من معرفة المجتمع: إن قيمة محمد نجيب بوطالب في التفكير في المستقبل لا تكمن في أنه قدّم لنا خريطة جاهزة لما سيكون عليه المجتمع المغاربي بعد عشرين أو ثلاثين سنة. وهذا ليس دور عالم الاجتماع أصلًا.
قيمته تكمن في شيء أكثر عمقًا: أنه يذكرنا بأن المستقبل لا يُبنى قبل أن يُفهم المجتمع. فالقبيلة تُفهم في تاريخها وتحولاتها، والقرية تُفهم من داخل أهلها ومجالها، والريف لا يُعامل باعتباره هامشًا، والحدود تُدرس باعتبارها فضاءات اجتماعية واقتصادية أيضًا، والهجرة تُقرأ من جذورها ومساراتها، والمصطلحات تُفحص قبل أن تتحول إلى سياسات، والتنمية تُقاس بأثرها في حياة الناس لا بعدد المشاريع التي تُعلن. وهكذا يصبح الدرس الأكبر من المشروع السوسيولوجي لمحمد نجيب بوطالب هو أن المجتمع ليس عقبة أمام التنمية، بل هو موضوعها وفاعلها ومقياس نجاحها.
ومن هنا فإن البناء المستقبلي للمجتمعات المغاربية لا يحتاج فقط إلى مزيد من الطرق والمصانع والجامعات والمشاريع، بل يحتاج قبل ذلك إلى معرفة دقيقة بالإنسان الذي ستُبنى من أجله هذه الأشياء، وبالمجتمع الذي سيعيش فيها، وبالتاريخ الذي يحمله معه، وبالمكان الذي ينتمي إليه، وبالتحولات التي تعيد تشكيله كل يوم.
ذلك هو المعنى الأعمق للسوسيولوجيا حين تتجاوز رفوف الكتب إلى الحياة. فالمجتمع الذي يعرف نفسه يستطيع أن يفاوض المستقبل؛ أما المجتمع الذي لا يعرف نفسه، فقد يستورد المؤسسات والمصطلحات والنماذج، لكنه يظل يبحث عن نفسه داخلها.
ومن هنا لا يكون السؤال: أي مستقبل نريد للمجتمع المغاربي فقط؟ بل: أي معرفة نحتاجها أولًا حتى نستطيع أن نبني ذلك المستقبل؟
