مقالات الرأي

في وزراء الزور والوزر والتزوير!



بقلم / مصطفى الزائدي

الوزير لغويًا هو الشخص المعيّن الذي يحمل عن صاحب الأمر بعض أعبائه، ويشد أزره، ويعاونه في تدبير أمره.

وفي الأنظمة المسماة ديمقراطية، التي ظهرت وسادت بعد الثورة الفرنسية، والتي حوّلت الملك من مُرسل من الرب لحكم الأرض إلى مختار من الشعب لحكمه لفترة محددة، لكن تطور النظام الديمقراطي وظهور الحزبية حوّلا الحكومات التي يشكلها الحزب الفائز إلى أدوات لدى رئيسها، لا يخالفونه في أمر، ولا يفعلون إلا ما يطلبه منهم.

في البلاد العربية عمومًا، وباستثناءات قليلة، الوزراء شهداء زور على جريمة تدمير الأمة، ولخدمة الأنظمة المنصّبة من الأعداء التاريخيين للأمة.

أمّا عندنا، فالوزير شيء مختلف؛ فلا هو بمسؤول يقرر وينفذ في قطاعه، ولا مدير أعلى له اختصاص وحقوق وعليه واجبات، فمثله مثل «فوطة السنفاز» التي يمسح فيها الزبائن الوسخ من أيديهم.

لدينا حكومتان بأوسع تشكيل وزاري عالميًّا؛ ففي حكومة الدبيبة بلغ عدد الوزراء، بالرئيس ونائبيه، 35 وزيرًا ووزيرة، وفي بنغازي بلغ عددهم 38 وزيرًا ووزيرة. تشكلت الحكومتان بنظام المحاصصة بين الأقاليم، والترضية للنواب وأعضاء مجلس الدولة والمجموعات المسلحة، ولكل وزارة ثلاثة وكلاء يمثلون الأقاليم.

ولكن! وزراء «ينشّون الذباب» حسب الوصف الليبي؛ فمهام الحكومة كلها تقريبًا نُقلت إلى أشخاص وأجهزة تعمل خارج أي إطار نظامي أو قانوني، فليبيا دولة! بلا هوية سياسية ولا نظام سياسي محدد، حالها حال «حارة كل من إيدو إلو»، على رأي غوار!

الوزارات معطلة، والوزراء والوكلاء مجرد موظفين يتقاضون مرتبات عالية، والمَحظوظون منهم يتحصلون على فتات من الأموال المبذرة في مشروعات وهمية، أما القرار والتنفيذ والعطاءات، فهي مقتصرة على من يديرون المشهد من خلف ستار! من سماهم المرحوم الكيب «الجهات العليا»!

سألني صديق: لماذا لم نرَ وزراء التعليم والصحة والكهرباء ووكلاءهم يتعاطون مع أزمة المعلمين والأطباء وانقطاع الكهرباء؟ أجبته ببساطة: لأنهم غير معنيين بالأمر، وغير موجودين في المشهد أصلًا، وكأنهم «خيال المآتة»!

أحد الوزراء توهّم أنه وزير بجد، فأعد خطة لتطوير قطاعه، مرفقة بمشروعات محددة وشركات مقترحة، وقدمها إلى دولة الرئيس! فرد عليه بالشكر، وأحال الملف إلى ابن عمه المكلف بتنفيذ المشروعات! وينتظر ذلك الوزير المسكين أن يُعهد إليه على الأقل بمتابعة تنفيذ خطته، ولو بالاطلاع على سير الأعمال في مشروعاتها!

وزير آخر أخذ منه الحماس كل مأخذ، فوقع مشروعات استثمار مع شركات صينية، وما إن بلغ الخبر الجهات العليا! حتى وبّخ، وطُلب منه، إن أراد البقاء، أن يجلس صامتًا في مكتبه!

وزراؤنا، في أغلبهم، شهداء زور على جريمة بيع الوطن وتدميره، ووكلاؤهم شركاء في ذلك، ولا غرابة؛ فأغلبهم وصل إلى الوزارات بشهادات مزورة وبتزكيات زور مدفوعة الثمن مسبقًا! لذلك هم يكتفون من وليمة الجمل بأذنه!

فهم ضمنوا مرتبات عالية، وبدل سكن وتنقل مرتفعًا، وأرتالًا مسلحة يتنقلون بها، وأرسلوا أسرهم للإقامة والدراسة والعلاج بالخارج!

السؤال: هل يوجد من بين 73 وزيرًا ومائتي وكيل، رجال ونساء راشدون، بهم بعض من وطنية، وهم يعلمون أكثر من غيرهم بما أصاب الوطن، ويدركون أكثر من غيرهم المخاطر التي تهدده، أن يكتفوا بما أصابوا من مال حرام، وأن يكفّروا عما اقترفوه بالمشاركة أو الصمت في حق شعبهم، وأن ينزعوا عن أنفسهم آثام وزر الآخرين، وأن يخرجوا، على الأقل، من المستنقع الذي وضعوا فيه؟ وهنا أذكرهم بما أقدم عليه قلة قليلة من زملائهم الذين رفضوا الاستمرار، وفضلوا الخروج، ولو في صمت!

أم أن ما يجري في الواقع يدفع الليبيين إلى أن يخرجوا من أوهام تشكيل الحكومات والصراع للوصول إلى مواقع فيها، وأن نكتفي في هذه المرحلة بالقبول بسلطة الأمر الواقع، وأن نحملها المسؤولية مباشرة، دون غطاء من حكومات مزيفة، حتى نصل إلى مرحلة من الاستقرار تمكننا من بناء حكومة حقيقية بشرعية شعبية وطنية؟ فمَن العبث اللهث خلف الوهم! لنطلب ممن يديرون المشهد من خلف ستار أن يخرجوا ويتقدموا الصفوف، دون الحاجة إلى مخرجين مسرحيين محليين أو دوليين، والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى