مقالات الرأي

يرحل صاحب التوقيع، ويتبقى له المجد أو اللعنة

محمد جبريل

القرارات مسؤولية تبقى بعد رحيل أصحابها. فالمسؤول يوقّع باسم الدولة، فتوقيعه جزء من القانون الدولي؛ بترسيم الحدود، أو ملكية ثروات المجتمع، أو ترسيخ مصلحة الأجنبي، أو الاصطفاف بمحاور دولية.

فلنستعرض دروس قرن وعقد من التوقيعات الليبية:

بمجرد استلام المرحوم إدريس قيادة الحركة السنوسية 1916، انتهج مسارًا مهادنًا يختلف عن نهج أحمد الشريف الجهادي؛ فوقع مع الإيطاليين اتفاقية الزويتينة 1916، ثم عكرمة 1917 مع الإيطاليين، وكذلك الإنجليز بإجلاء المجاهدين من مصر، ومنع وصول البضائع إلى دول المحور، مقابل الإشراف على الجغبوب، مع إبقائها ضمن الحدود المصرية.

وقع رحمه الله اتفاقية الرجمة 1922، في عملية تبادل مصالح، فمنحه الإيطاليون لقب أمير برقة، وصرفوا له ولأعوانه مرتبات ومزايا مالية، مقابل أن يوقف حركة الجهاد ويجمع سلاح المجاهدين، (فما أشبهه بمحمود عباس اليوم)، زار على إثرها إيطاليا ومنحه ملكها وسامًا رفيعًا، كما منح (عراب الاتفاقية) عمر منصور الكيخيا وسامًا، ومكافأة مليون ليرة، لكن المجاهدين رفضوا حلّ أدوارهم، وفرّ إدريس إلى مصر، وواصل عمر المختار الجهاد، وزُج بالليبيين في المعتقلات.

وباتفاقية القواعد 1954، تنازل بن حليم عن السيادة مقابل دعم مالي وحماية دولية، القواعد أصبحت قضية تلهب مشاعر الجماهير، أسهمت في تفجّر ثورة 1969، وتم الإجلاء.

ثم كان تنازل بن حليم لفرنسا 10/8/1955، عن حاسي مسعود وقطاع أوزو، أحد أسباب الحرب الليبية التشادية، كما استندت محكمة العدل الدولية 1994 على توقيع بن حليم في حكمها بضم قطاع أوزو لتشاد، فضيّع على الأجيال الليبية مكامن ثروة نفطية، ومناجم لليورانيوم والمعادن النادرة.

وقع بن حليم مع إيطاليا 2/10/1956، اتفاقية مكّنت المستوطنين الإيطاليين من ملكية الأراضي والمتاجر والمصانع، إلى أن تم إجلاؤهم في يوم الثأر 1970، الذي تصادف ذكراه بعد غدٍ.

ورغم توقيعات سبتمبر الرشيدة، كالإجلاء وتأميم النفط والمصارف، والبيت لساكنه، وتوزيع الثروة، والنهر الصناعي العظيم، وجمعية الدعوة الإسلامية، ودعم المسلمين وحركات التحرر، وتأسيس الاتحاد الأفريقي، فهناك توقيعات اكتوينا بآثارها، كالتخلي عن برامج التسليح الأربعة، الذي سهّل للعدو تدمير ليبيا، فعاد الاستعمار والاستغلال والاحتكار ونهب الثروات والتبعية، مثل ما كان بالستينيات، وقرار إيقاف أحكام باتة بإعدام 48 مدانًا من القاعدة، أحدهم (جولانينا)، رغم رسائل مصطفى عبد الجليل الملحّة على إعدامهم، وكانت الطامة بإطلاق سراحهم 2010، فاكتوينا بإرهابهم، إلى أن هزمتهم ثورة الكرامة 2017، فاحتضن المفتن فلولهم ليشكلوا خطرًا محدقًا يتحين الفرصة.

بعد 2011، ازدادت وتيرة التفاهمات والتوقيعات، كتوقيع عبد الجليل 2012 بإعادة دار الإفتاء بعد إلغائها 1983 وتنصيب المفتن الذي ما زالت فتاويه سببًا في قتل وتشريد الليبيين، ونهب وتدمير ممتلكاتهم، وتعميق الانقسامات بينهم، وإجهاض توزيع الثروة بالمحافظ الاستثمارية 2013.

وتوقيع الصخيرات 2015 الذي سحب إليه المؤسسات وأحيا مؤتمر الإخوان، وأنشأ سياقًا لاستمرار الانقسام.

وكذلك الاتفاقيات البحرية والأمنية التي وقّعها السراج مع تركيا 2019، للمنطقة الاقتصادية، والوجود العسكري والأمني بليبيا، فأدخلنا في صراع حدودي مع مصر والاتحاد الأوروبي.

ثم عقود الدبيبة النفطية، بزيادة حصة الشريك الأجنبي التي واجهت انتقادات، مقارنة بالشروط التاريخية للعقود النفطية.

الحكم على العقود النفطية يعتمد على نسب تقاسم الإنتاج، والاستثمارات، والمخاطر، والمدة، وآليات المراجعة، وشروط الإنهاء، والضرائب والإتاوات، والشفافية، ومدى توافقه مع القانون والمصلحة العامة.

ملكية الأرض أكثر الملفات حساسية؛ إحدى ركائز الدولة الثلاث، ومرتبطة بالسيادة والأمن والتنمية والهوية.

وقع المرحوم إدريس 1960 قانونًا يحظر تملك غير الليبيين للعقارات، شاملًا الملكية التامة، وملكية الرقبة، وحق الانتفاع.

لكن الأرض أصبحت مهددة بالضياع لصالح الأجانب بحجة الاستثمار، أو بالبيع للسفارات، وخاصة الأراضي الاستراتيجية، وذات القيمة الاقتصادية كالسواحل، والمناجم والمكامن ومصادر المياه، والبنية التحتية كالموانئ والمطارات، والمنشآت الأمنية والعسكرية، والمناطق الحدودية والمواقع التاريخية.

لا تستطيع الدول العيش دون معاهدات واتفاقيات واستثمارات مشتركة وتعاون دولي.

المشكلة عندما يكون التوقيع على حساب مستقبل الأجيال، وتحت ضغط سياسي، أو مقايضة بين الكرسي والسيادة.

التوقيع مسؤولية أمام الأجيال، فلا يجوز أن تكون الوثائق الاستراتيجية للدولة مرتبطة بأشخاص، أو أن تُعتبر أسرارًا شخصية.

هذا لا يعني أن كل الاتفاقيات “خاطئة”، أو أن أي تفاوض “خيانة”.

ولكون الإدارة الرشيدة تحمي المستقبل، فهذه حزمة من الأسئلة ينبغي أن تسبق التوقيع، وليس بعده:

فهل كان التوقيع في مصلحة ليبيا؟

وهل يعرف المواطنون شروط العقود وآثارها على الأجيال القادمة؟

وهل خضعت لمراجعة المؤسسات المختصة؟

وهل عززت السيادة، أم رتّبت التزامات تقيّد القرار الوطني؟

وهل تركت للدولة خيارات أوسع، أم أغلقت أمامها أبوابًا؟

وهل زادت من قيمة الثروة، أم استنزفتها؟

وهل منحت الأجيال القادمة فرصة أفضل، أم تركت لها التزامًا جديدًا؟

وهل توجد آليات لمراجعتها إذا تغيرت الظروف؟

التوقيع الذي لا يستند إلى قبول واسع قد يصبح مصدر نزاع، ويترك أنقاضًا يتعين على جيل قادم تنظيفها. فبجرة قلم مسؤول، يجد الليبيون أنفسهم أمام خيارات صعبة: إما الالتزام بتلك العقود وتكاليفها، أو إلغاؤها ومواجهة غرامات باهظة من أموال الشعب، أو بذل جهود دبلوماسية وقانونية، وأحيانًا عسكرية، لتعديلها أو التخلص من آثارها.

في الدول التي تعيش الانقسام والتدخلات الخارجية، تصبح المسؤولية أكبر، والتهديدات أشد، فالتوقيع أشبه بصكّ يتحمل مسؤولية صرفه ليبيون لم يولدوا بعد، فأيها المسؤول لا توقّع اليوم ما ستضطر الأجيال لدفع ثمنه غدًا، فالمقياس ما سيقوله التاريخ بعد رحيلك.

زر الذهاب إلى الأعلى