مقالات الرأي

ما بين السيل والوجع



سعاد علي الجروشي

ما رأيناه في جنوبنا الغالي لم يكن مجرد مشهدٍ عابرٍ من مشاهد الشتاء، بل وجعًا أثقل القلوب.. ترك في النفوس غصّةً لن تزول بسهولة. بيوتٌ مسقوفةٌ بالصفيح.. وأخرى بسعف النخيل.. بيوتٌ من الطين.. بيوتٌ تبدو عاجزةً عن مقاومة عاصفة، فكيف لها أن تصمد أمام أمطارٍ غزيرةٍ وسيولٍ جارفة؟ خصوصًا حين تكون قريبةً من مجاري الأودية ومناطق تجمع المياه. وفي ظل قلة إمكانات الطوارئ والإنقاذ، ونقص الخدمات الصحية، تصبح الكارثة أكثر قسوة؛ إذ يجد الناس أنفسهم في مواجهة الخطر بإمكاناتٍ محدودة، بينما لا يمهل السيل أحدًا.

تهدّمت بيوت.. تشردت أسر.. فُقدت أرواح.. ما يؤلم أكثر أن هذه المشاهد تتكرر كأننا لا نملك إلا أن ننتظر الكارثة ثم نحصي خسائرها ونبكي من رحلوا.

إلى متى يستمر هذا الحال؟ إلى متى نبقى نشاهد وجع أهلنا، ونتألم لكل ما يصيب بلادنا، بينما تتكرر المآسي عامًا بعد عام؟

قد لا نملك القدرة على تغيير كل شيء، وقد ضاق بنا الحال، وافتقدنا الوسيلة التي تمكّننا من الوصول إلى من يحتاجوننا. لكننا نملك ألا ننسى. نملك أن ننقل أصواتهم.. أن نساند كل يدٍ تمتد إليهم.. أن نقدم ما نستطيع، ولو كان قليلًا، أن نبقى قريبين منهم بالدعاء.

فالإنسان قد يعجز عن إنقاذ بيتٍ من السيل، لكنه يستطيع أن يمدّ خيطًا من الأمل إلى قلبٍ منكسر.

اللهم احفظ أهلنا في جنوب ليبيا، وارحم من فقدوا أرواحهم، واشفِ المصابين، وآوِ من تهدمت بيوتهم، واجبر قلوب من فقدوا أحبتهم، وسخّر لهم من عبادك من يخفف عنهم هذا البلاء.

اللهم لا تجعل وجعهم يمرّ بنا كخبرٍ عابر، ولا تجعل بيوتهم المهدّمة وأرواحهم الراحلة مجرد أرقامٍ في ذاكرة الأيام.

واجعل بعد السيل أمانًا، وبعد الخوف طمأنينة، وبعد هذا الوجع يدًا تمتدّ بالبناء والجبر والرحمة.

فالجنوب ليس طرفًا بعيدًا من الوطن.. إنه جزءٌ من قلوبنا، وكل بيتٍ تهدّم هناك، ترك في قلوبنا جدارًا من الحزن.

زر الذهاب إلى الأعلى