فرج الشقار يكتب: اغتيال رجال المصالحة.. تسع سنوات والسؤال قائم: مَن أراد إسكات صوت الصلح؟

في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 2017، فقدت ليبيا أربعة من رجالها وهم عائدون من مهمة حملوا فيها رسالة الإصلاح وحقن الدماء وتقريب وجهات النظر بين أبناء الوطن؛ الشيخ عبدالله انطاط، والشيخ خميس اسباقة، ورفيقاهما من شهداء الواجب الشرطي عادل ميلاد بن اجديرية والشرطي موسى مسعود الضبع.
كان الرجال في طريق عودتهم إلى مدينة بني وليد بعد مهمة ضمن جهود الصلح والمصالحة التي كان يقوم بها المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة في المنطقة الغربية، والعمل على معالجة الخلاف بين المشاشية والزنتان، قبل أن تتعرض السيارة التي تقلهم لإطلاق نار في الطريق بين الشقيقة ومزدة، لتنتهي رحلة خرج أصحابها من أجل حقن الدم باستشهاد أربعة رجال كانوا يؤدون واجبًا وطنيًا واجتماعيًا.
جاءت هذه الجريمة في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ ليبيا، بعد أحداث فبراير 2011 والتدخل العسكري لحلف الناتو وما أعقب ذلك من انهيار أمني وانتشار واسع للسلاح وانقسام مؤسسات الدولة واتساع دائرة النزاعات والاقتتال. وفي خضم ذلك المشهد، تحملت المجالس الاجتماعية ومشايخ وأعيان القبائل مسؤولية كبيرة في رأب الصدع وحقن الدماء، وكان المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة من أبرز من خاضوا هذا الطريق، متنقلًا بين المدن والمناطق، وساعيًا إلى وقف نزيف الدم وإصلاح ذات البين في العديد من القضايا الشائكة.
برز دور المجلس في أكثر من ملف، وكان من بينها جهوده في مدينة سبها للمصالحة بين قبيلتي أولاد سليمان والقذاذفة، بعد سنوات من الخلاف والصدامات، إلى جانب تحركاته في مناطق أخرى لمعالجة النزاعات وتقريب وجهات النظر. وقد منح هذا العمل المجلس ورجاله حضورًا كبيرًا في ملف المصالحة خلال واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها البلاد، وأصبح رجال ورفلة يتحركون حيث تشتد الخصومة وتتسع دائرة الدم، حاملين معهم كلمة الصلح ومحاولات جمع الفرقاء.
ومن هنا تأخذ جريمة اغتيال الشيخ عبدالله انطاط والشيخ خميس اسباقة ورفيقيهما بعدًا أكبر من واقعة قتل على أحد الطرق. فقدت ليبيا يومها شيخين جليلين كان لهما دور كبير في العمل الاجتماعي والوطني بعد أحداث 2011، وفقدت معهما اثنين من رجال الأمن رافقاهما في مهمة هدفها حماية الأرواح والمساهمة في جمع أبناء الوطن.
والنجاحات التي حققها المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة في ملفات المصالحة وحقن الدماء تفتح حتى اليوم أسئلة كبيرة حول خلفيات هذه الجريمة ودوافعها الحقيقية. هل كان استهداف الوفد مرتبطًا بالدور الذي وصل إليه المجلس ورجاله في جمع الفرقاء وإنهاء الخصومات؟ وهل وقفت خلف الجريمة أطراف داخلية كانت ترى في نجاح المصالحات تهديدًا لمصالحها أو نفوذها؟ وهل يمكن أن تكون خيوطها قد امتدت إلى جهات أو أجهزة مخابرات خارجية لها مصلحة في استمرار الاقتتال والانقسام والفوضى داخل ليبيا؟
هذه الأسئلة لا نحولها إلى اتهامات، ولا نجزم بإجاباتها قبل أن تكشف التحقيقات والقضاء الحقيقة كاملة، لكنها تظل أسئلة مشروعة أمام جريمة استهدفت رجالًا عُرفوا بنشاطهم في المصالحة، خاصة أن جهات ليبية عدة رأت منذ الأيام الأولى أن اغتيالهم كان استهدافًا لمسار المصالحة ولمّ الشمل. ومن واجب التحقيق أن يذهب إلى أبعد مدى، وألا يتوقف عند معرفة من نفذ الجريمة، إذا كانت الأدلة تقود إلى من خطط أو حرض أو موّل أو وفر الغطاء، وإلى كل طرف تثبت صلته بها.
لقد أعلن مكتب النائب العام في نوفمبر 2023 تحريك الدعوى الجنائية في القضية وملاحقة سبعة ممن نسبت إليهم المساهمة في الواقعة، واتخاذ إجراءات بحق اثنين منهم. واليوم من حق أسر الشهداء وأهلهم وأبناء بني وليد والرأي العام الليبي معرفة آخر ما وصلت إليه التحقيقات، وما انتهت إليه الإجراءات بشأن الجناة ودوافع الجريمة وخلفياتها.
ومن هنا نجدد مطالبتنا لمكتب النائب العام باستكمال التحقيقات والكشف عن آخر المستجدات في هذا الملف، وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته وإحالته إلى القضاء، مع توسيع دائرة التحقيق كلما قادت الأدلة إلى أطراف أخرى شاركت في التخطيط أو التنفيذ أو التحريض. فمرور السنوات لا يمحو حق الدم، ولا ينبغي أن تبقى جريمة بهذا الحجم دون كشف حقيقتها كاملة.
كما تعيد هذه الذكرى إلى الواجهة مسؤولية الدولة عن الوضع الأمني الذي ما زالت تعاني منه مناطق واسعة من البلاد، وفي مقدمتها المنطقة الغربية، في ظل آثار الانقسام وانتشار السلاح وتعدد القوى المسلحة وغياب سلطة أمنية موحدة. ليبيا تحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة موحدة، وإلى أجهزة أمنية وقضائية قادرة على فرض القانون وحماية المدن والطرق وملاحقة مرتكبي الجرائم، بعيدًا عن الانقسام والتجاذبات ومراكز النفوذ.
إن إحياء ذكرى الشيخ عبدالله انطاط والشيخ خميس اسباقة والشرطي عادل ميلاد بن اجديرية والشرطي موسى مسعود الضبع يحمل معه مسؤولية الحفاظ على قيمة الصلح التي خرجوا من أجلها. هؤلاء الرجال تحركوا في مرحلة كان فيها الانتقال من مدينة إلى أخرى من أجل المصالحة يحمل مخاطر كبيرة، ومع ذلك اختاروا أن يكونوا بين المتخاصمين، وأن يسعوا إلى إيقاف الرصاص قبل أن يحصد مزيدًا من أرواح الليبيين.
رحم الله شهداء الصلح والمصالحة، وغفر لهم وأسكنهم فسيح جناته، وجعل ما قدموه في سبيل حقن الدماء وإصلاح ذات البين ولمّ شمل أبناء الوطن في ميزان حسناتهم. ستظل أسماؤهم حاضرة في ذاكرة بني وليد وليبيا، وستبقى المطالبة بالحقيقة والعدالة قائمة حتى يعرف الليبيون من قتل رجال المصالحة، ومن خطط للجريمة، وما دوافعها، وحتى يأخذ القانون مجراه بحق كل من تثبت مسؤوليته عنها.
فرج الشقار | Faraj Alshaqqar
