مقالات الرأي

سواني بن آدم حين قالت الأرض كلمتها

بقلم /د .علي المبروك أبوقرين

تمر علينا اليوم الذكرى التاسعة بعد المئة لمعركة المجمر البطولية في ربوع سواني بن آدم، ذكرى واحدة من الصفحات المضيئة في سجل الجهاد الليبي، نستعيدها اليوم لا بوصفها حادثة عبرت وانقضت، وإنما بوصفها موقفا خالدا قالت فيه الأرض الليبية كلمتها، وقال فيها رجالها إن الوطن لا يقاس بما تملك من سلاح وإنما بما يسكن أبناءه من إيمان وإرادة وكرامة. في مثل هذا اليوم تداعى الأجداد من كل صوب تجمعهم راية الوطن وتوحدهم العقيدة وتشد أزرهم نخوة الأرض التي لم يقبلوا أن تدنسها أقدام الغزاة. وفي ساحة المجمر التقت إرادتان متباينتان جيش استعماري مدجج بالسلاح والعتاد وآلات الحرب، جاء ليستولي على الأرض ويخضع أهلها، ورجال من أبناء هذه البلاد لم تكن لهم جيوش منظمة ولا ترسانات حديثة إنما كانت لهم عزيمة لا تنكسر وبنادق قليلة وقلوب عامرة بالإيمان، وإدراك عميق بأن الدفاع عن الوطن ليس اختيارا عابرا وإنما عهد وواجب وشرف. هناك في ربوع سواني بن آدم لم تكن الرمال مجرد أرض تخوض عليها المعركة فقد أصبحت شاهدة على مواجهة اختبرت فيها إرادة الليبيين أمام آلة استعمارية أرادت أن تجعل من القوة المادية قدرا لا يرد. احتدمت المعركة والتحم الرجال وتعالت التكبيرات في فضاء المعركة، وانطلقت البنادق القليلة في مواجهة الحديد والنار، وتحول حسن التخطيط وشجاعة المجاهدين ومعرفتهم بالأرض إلى قوة أربكت حسابات الغزاة حتى انكسر اندفاعهم وتراجعت قواتهم، تاركة وراءها خسائر في الأرواح والعتاد. وهكذا كتبت سواني بن آدم واحدة من شهاداتها التي لا تمحوها السنون أن الأرض حين تجد أبناءها واقفين عليها لا تكون رقعة جغرافية وإنما تصبح وطنا، وأن الوطن حين يسكن وجدان أهله يتحول الدفاع عنه إلى قوة تتجاوز حسابات السلاح والعدد. ولعلنا اليوم ونحن نستحضر هذه الذكرى في زمن تحتاج فيه ليبيا إلى استعادة الكثير من معانيها الكبرى، ندرك أن أعظم ما تركه لنا أولئك الرجال لم يكن بندقية ولا موقعا في ميدان القتال وإنما تركوا لنا معنى السيادة ومعنى أن يكون الوطن فوق المصالح وأن تكون وحدة الناس أقوى من أسباب الفرقة، وأن يعرف أبناء الوطن أن اختلافهم لا ينبغي أن يجعل أرضهم أضعف ولا مستقبلهم رهينة للآخرين. إن سواني بن آدم التي تعني لي الكثير ليست مجرد اسم في ذاكرة المكان وإنما جزء من ذاكرة ليبيا التي كلما أثقلها الحاضر ينبغي أن تعود إلى صفحات تاريخها لتستعيد منها القدرة على الوقوف. ففي ترابها نام رجال شرفاء اختاروا أن يدفعوا أثمانا باهظة حتى تبقى ليبيا لأبنائها، ولذلك فإن الوفاء لهم لا يكون بالبكاء على زمن مضى ولا بترديد أسماء المعارك في المناسبات فحسب وإنما بأن نحفظ المعنى الذي قاتلوا من أجله وأن نصون الوطن من كل ما ينتقص سيادته أو يبدد وحدته أو يضعف إرادته أو يجعل مستقبله أقل من تضحيات أبنائه. رحم الله شهداء سواني بن آدم وكل شهداء الجهاد الليبي ورحم الله أولئك الذين خرجوا يومها لا يحملون إلا إيمانهم بوطنهم وسلاحهم القليل وقلوبهم الكبيرة. سلام على أرواحهم في عليائها وسلام على الأرض التي احتضنت دماءهم، وسلام على سواني بن آدم التي ستظل تقول للأجيال إن ليبيا لم تكن يوما أرضا بلا أصحاب وإن في هذه البلاد رجالا وقفوا ذات يوم أمام أقوى ما أرسلته الإمبراطوريات من قوة وقالوا بدمائهم إن الوطن يستحق أن نحيا له وأن نموت من أجله. حفظ الله ليبيا أرضا وشعبا وتاريخا وأبقاها عزيزة حرة أبية، كما أرادها أولئك الذين سبقونا إلى المجد.

زر الذهاب إلى الأعلى