أنصار الله يحرزون تقدمًا ميدانيًّا مهمًّا ويسيطرون على المخا وباب المندب

تقرير – سيد العبيدي
دخلت الحرب في اليمن مرحلة جديدة تبدو أكثر خطورة من جولات التصعيد السابقة، بعدما تمكنت جماعة أنصار الله من تحقيق تقدم ميداني واسع على الساحل الغربي، والسيطرة على مدينة المخا ومواقع عسكرية مهمة، وصولًا إلى مضيق باب المندب، في وقت اضطرت فيه القوات الحكومية اليمنية إلى إعادة ترتيب صفوفها والانسحاب من عدد من المواقع والمدن.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، وإنما أصبحت ساحة مفتوحة لتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع المصالح السعودية والإيرانية والأمريكية، فيما يظل اليمنيون هم الطرف الأكثر دفعًا لكلفة الحرب المستمرة.
وبحسب تقارير ميدانية حديثة، تمكنت أنصار الله خلال الهجوم الأخير من تحقيق اختراقات في جبهات الساحل الغربي، والسيطرة على المخا ومواقع أخرى، بينما انسحبت القوات الحكومية من حيس والخوخة ومواقع في محيط تعز، في تطور وصفته مصادر إعلامية بأنه تحول مهم في ميزان السيطرة على الأرض.
انهيار الجبهة المقابلة
ويعيد هذا التطور طرح سؤال أساسي حول طبيعة القوات التي تقاتل أنصار الله، ومدى قدرتها على خوض حرب طويلة في ظل اعتماد قطاعات واسعة منها على الدعم الخارجي.
فالقوات الحكومية اليمنية ليست كتلة عسكرية واحدة متماسكة، وإنما تضم تشكيلات متعددة ومراكز نفوذ مختلفة، بعضها يرتبط بقيادات سياسية وعسكرية محلية، وبعضها يعتمد على دعم إقليمي، وهو ما يجعل عملية توحيد القرار العسكري أكثر تعقيدًا.
وتشير تحليلات ميدانية إلى أن الانقسامات داخل المعسكر الحكومي والتأثير الخارجي على قراراته أسهما في إضعاف قدرته على مواجهة الهجوم الأخير، رغم امتلاكه أعدادًا كبيرة من المقاتلين. ووفق تحليل نشرته الجزيرة، فإن التقديرات تضع حجم القوات الحكومية عند نحو 300 ألف مقاتل مقابل قرابة 250 ألفًا لأنصار الله، لكن العدد وحده لا يحسم المعركة عندما تكون الجبهة المقابلة أكثر تماسكًا وقدرة على الحركة والمناورة.
ومن هذه الزاوية، فإن وصف جميع القوات المناوئة لأنصار الله بأنها «قوات مرتزقة» يحتاج إلى تمييز؛ فالمشهد يضم يمنيين يقاتلون لأسباب سياسية أو مناطقية مختلفة، إلى جانب تشكيلات تعتمد بدرجات متفاوتة على التمويل والتسليح والإسناد الخارجي. لكن المؤكد أن الاعتماد على الدعم الخارجي جعل جزءًا مهمًّا من القرار العسكري مرتبطًا بحسابات القوى الإقليمية الداعمة.
أنصار الله.. قوة استطاعت الصمود
في المقابل، أظهرت أنصار الله خلال سنوات الحرب قدرة على الاستمرار وإعادة بناء قدراتها العسكرية، رغم الضربات التي تعرضت لها، وهو ما انعكس في قدرتها على الانتقال من حرب استنزاف طويلة إلى هجمات برية واسعة خلال الفترة الأخيرة.
ويشير محللون إلى أن الجماعة طورت قدراتها العسكرية بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، في حين ساعدها تماسك بنيتها التنظيمية على استغلال حالة الانقسام داخل المعسكر المقابل.
ولا يعني ذلك أن المعركة حُسمت نهائيًّا، فالقوات الحكومية ما زالت تملك قدرات عسكرية، كما أن احتمال التدخل الإقليمي المباشر أو تكثيف الضربات الجوية يبقى قائمًا، لكن ما حدث خلال الأيام الأخيرة كشف بوضوح أن السيطرة على الأرض لا يمكن ضمانها بمجرد امتلاك السلاح أو الدعم الخارجي.
السعودية في قلب المشهد
لا يمكن قراءة التطورات اليمنية بعيدًا عن الدور السعودي، فقد دخلت الرياض الحرب في اليمن عام 2015 لدعم الحكومة المعترف بها دوليًّا ومواجهة تمدد أنصار الله، واستمر الدعم العسكري والسياسي للقوات المناوئة للجماعة طوال سنوات الحرب.
لكن التطورات الأخيرة تضع هذا الدور أمام اختبار جديد؛ إذ تمكنت أنصار الله من تحقيق تقدم ميداني رغم الدعم السعودي للقوات الحكومية، بينما اتسعت دائرة المواجهة لتشمل الأراضي والمنشآت السعودية نفسها.
وتشير التقارير الأخيرة إلى أن القوات السعودية نفذت ضربات ضد مناطق تسيطر عليها أنصار الله، في محاولة لوقف تقدمها، إلا أن الضربات لم تمنع حتى الآن استمرار التغيرات الميدانية على الساحل الغربي.
ومن هنا تبدو إحدى مفارقات الحرب اليمنية واضحة: فكلما زاد الاعتماد على القوة الخارجية، بدا الحل السياسي اليمني أكثر تعقيدًا، وتحولت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات بين أطراف إقليمية ودولية.
فلسطين وغزة في خطاب أنصار الله
ويحضر ملف فلسطين بقوة في خطاب أنصار الله، التي تربط عملياتها العسكرية في البحر الأحمر بموقفها من الحرب الصهيونية على قطاع غزة.
وتقول الجماعة إن تحركاتها تأتي في إطار الضغط على الكيان ودعم الفلسطينيين، وربطت في بيانات وتصريحات متكررة بين عملياتها في البحر الأحمر وبين استمرار الحرب والحصار على غزة. هذا الموقف منح الجماعة بعدًا سياسيًّا وإقليميًّا يتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي، خصوصًا أن القضية الفلسطينية تحظى بحضور واسع في الرأي العام العربي.
وفي الوقت نفسه، فإن هذا الربط جعل اليمن جزءًا من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية، وأدخل البحر الأحمر في حسابات الحرب الدائرة بين الصهاينة وإيران وحلفائهما.
باب المندب.. الورقة الأقوى
وتأتي أهمية التقدم الأخير من الموقع الاستراتيجي لباب المندب، الذي يمثل نقطة اتصال رئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويرتبط مباشرة بقناة السويس وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أنصار الله أصبحت تسيطر على مناطق واسعة من الساحل الغربي، مع وصول نفوذها إلى محيط باب المندب وجزر استراتيجية في البحر الأحمر.
وهنا لا تصبح المعركة مجرد صراع على مدينة يمنية أو قاعدة عسكرية، وإنما تتحول إلى مواجهة ذات تأثير دولي، لأن أي تهديد مستمر للملاحة في باب المندب يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وبالتالي، فإن امتلاك ورقة باب المندب يمنح أنصار الله وزنًا تفاوضيًّا وعسكريًّا أكبر بكثير من حجم المناطق التي تسيطر عليها داخل اليمن.
التدخلات الخارجية.. أصل الأزمة
على مدار سنوات الحرب، لم يكن اليمن وحده صاحب القرار في مسار المعارك. فقد تدخلت السعودية والإمارات والولايات المتحدة وإيران بدرجات مختلفة، وأصبح لكل قوة حساباتها ومصالحها في هذا البلد. ومع استمرار هذا الوضع، تراجعت فرص بناء جيش وطني موحد، وظهرت تشكيلات عسكرية متعددة، لكل منها علاقاته السياسية ومصادر دعمه.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الانهيار الذي أصاب الجبهة المناوئة لأنصار الله؛ فالقضية ليست نقصًا في عدد المقاتلين أو الأسلحة فقط، وإنما مشكلة في وحدة القرار والهدف والقيادة.
وفي المقابل، استفادت أنصار الله من قدرتها على تقديم نفسها كقوة تقاتل بعيدًا عن الوصاية المباشرة للقوى الخارجية، مع استمرار الاتهامات والحديث عن الدعم الإيراني لها، وهي اتهامات تنفي طهران أنها تعني تحكمًا مباشرًا في قرارات الجماعة.
معركة ليست عسكرية فقط
المواجهة الحالية في اليمن ليست معركة على الأرض وحدها، وإنما معركة على صورة الدولة ومستقبلها، فأنصار الله تحاول تثبيت واقع عسكري جديد يمكن أن تستخدمه في أي مفاوضات مقبلة، بينما تسعى الحكومة وحلفاؤها إلى منع تحول المكاسب العسكرية الأخيرة إلى واقع سياسي دائم.
وفي هذه النقطة تحديدًا، تبدو الأيام المقبلة شديدة الأهمية؛ فإذا تمكنت أنصار الله من تثبيت سيطرتها على المناطق التي تقدمت إليها، فإن خريطة التفاوض ستتغير بصورة كبيرة. أما إذا نجحت القوات الحكومية، بدعم إقليمي، في شن هجوم مضاد واسع، فقد تدخل البلاد مجددًا في حرب استنزاف طويلة. لكن التجربة اليمنية خلال أكثر من عقد تؤكد أن الحسم العسكري لم ينجح في إنهاء الأزمة.
اليمن بين الحرب والحل
ما يحدث اليوم يضع جميع الأطراف أمام حقيقة يصعب تجاوزها: لا يمكن بناء مستقبل مستقر لليمن من خلال تحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
فالسعودية لديها مخاوفها الأمنية، وإيران لديها حساباتها الإقليمية، والولايات المتحدة تنظر إلى أمن الملاحة والطاقة، بينما تضع أنصار الله فلسطين وغزة في مقدمة خطابها السياسي والعسكري، لكن المواطن اليمني يظل في النهاية الطرف الذي يتحمل تبعات كل هذه الحسابات.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من يسيطر على المخا أو باب المندب؟ وإنما: هل يستطيع اليمنيون استعادة قرارهم بعيدًا عن صراع المحاور؟
إن التطورات الأخيرة أثبتت أن القوات المدعومة خارجيًّا يمكن أن تتراجع عندما تفقد تماسكها، كما أثبتت أن أنصار الله استطاعت تطوير قدرتها على خوض حرب طويلة وتحويل الضغط العسكري عليها إلى فرصة لإعادة ترتيب ميزان القوى.
ويبقى باب المندب الورقة الأهم في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب أهميته العسكرية، وإنما لأنه يربط الأزمة اليمنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية.
وفي النهاية، فإن استمرار التدخلات الخارجية سيظل عنوانًا رئيسيًّا للفوضى اليمنية. وكلما ابتعد القرار عن اليمنيين أنفسهم، زادت فرص استمرار الحرب، بينما يحتاج اليمن إلى تسوية تعيد توحيد مؤسساته وتوقف النزيف وتفتح الطريق أمام حل سياسي شامل، بدلًا من استمرار البلاد كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
أما ما حققته أنصار الله في الأيام الأخيرة، فيؤكد أن تجاهل قوتها وقدرتها على الصمود لم يعد خيارًا واقعيًّا لأي طرف يريد رسم مستقبل اليمن، وأن أي تسوية مقبلة ستضطر، بصورة أو بأخرى، إلى التعامل مع موازين القوى الجديدة التي فرضتها المعارك على الأرض.
