نساء الرواية الغائبة

بقلم / عفاف الفرجاني
بعد خمسة عشر عامًا، وأنا أقلب بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدًا «فيسبوك»، استوقفني مقطع لسيدة لم أعرفها يومًا، ولم ألتق بها أو أسمع باسمها، رغم عملي في الصحافة والإعلام ومتابعتي الدقيقة للمشهد الليبي. كانت تتحدث عن الاغتصابات التي قيل إنها وقعت عقب أحداث 2011، فأعدت النظر في السؤال المؤجل.
فالاغتصاب في المجتمعات المحافظة ليس مجرد جريمة جنائية، إنه ضربة تصيب البنية النفسية والاجتماعية للأسرة، ولهذا يصبح في الحروب أداة شديدة الخطورة في معركة السرديات. والأمم المتحدة نفسها صنفت العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات باعتباره وسيلة قد تستخدم للإرهاب والقمع والسيطرة على السكان. لكن الحالة الليبية تستحق اليوم قراءة أكثر هدوءًا وأشد صرامة. فهناك وقائع موثقة بالفعل، إذ قالت (هيومن رايتس ووتش) في سبتمبر 2011 إنها وثقت عشر حالات من الاغتصاب والاعتداء الجنسي، نسب إلى مجهولين، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها لم تستطع تأكيد ادعاءات الاغتصاب الجماعي أو المنهجي. لما نسب إلى كتائب القذافي حسب ادعاءات خصومه.
وفي المقابل، تعاملت «منظمة العفو الدولية» مع ادعاءات الاغتصاب باعتبارها تستوجب التحقيق المستقل، لا باعتبارها حقيقة مكتملة قبل التحقق؛ وقد وثقت بالفعل انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات القذافي، وكذلك انتهاكات ارتكبتها بعض قوات المعارضة.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد واصلت جمع الأدلة والشهادات المتعلقة بالعنف الجنسي، وأشارت إلى مصادر من أطباء وممرضين تحدثوا عن ضحايا، بما يؤكد أن الملف لم يكن مجرد قصة إعلامية بلا أساس، لكنه في الوقت ذاته ظل ملفًّا يحتاج إلى الإثبات القضائي لا إلى التداول السياسي.
وهنا تبدأ المساحة الأخطر، ليس السؤال هل وقعت اعتداءات؟ السؤال هو كيف تحولت ادعاءات محددة إلى خطاب واسع عن (اغتصاب ممنهج)؟ ومن دفع بهذه الرواية إلى واجهة الرأي العام؟ ومن منحها صفة الحقيقة النهائية؟
والأكثر إثارة للتساؤل، بالنسبة إليَّ كصحفية تابعت المشهد الليبي، هو ظهور شخصيات ونساء في تلك اللحظة لم تكن حاضرة في المجال العام قبلها، ثم تراجع حضور كثير منهن بعد انتهاء المعركة الإعلامية. لا يجوز تحويل هذا الغياب وحده إلى دليل اتهام، لكنه سؤال مشروع للتحقيق: من قدمهن؟ من وثق شهاداتهن؟ من تولى نقلها؟ وما الذي بقي منها في الملفات الرسمية بعد خمسة عشر عامًا؟
ففي الحروب، قد تكون المرأة ضحية حقيقية، وقد تتحول قضيتها أيضًا إلى مادة للتعبئة السياسية. وبين الأمرين تقع مسؤولية الصحافة والباحثين والمؤسسات الحقوقية أن يفصلوا الحقيقة عن الدعاية، والشهادة عن التوظيف، والجريمة عن الرواية التي صنعت حولها، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس فقط أن تقع فيه الجريمة، وإنما أن يصبح الألم الإنساني مادة للوهم لتوجيه وعي شعب بأكمله دون تحقيق كاف. وفي ليبيا، بعد خمسة عشر عامًا، آن الأوان لأن تُفتح ملفات الروايات كما فُتحت ملفات الجرائم بالأسماء، والوثائق، والشهادات، والأدلة، لا بالذاكرة الانتقائية ولا بالضجيج الإعلامي.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يسقط بالتقادم: أين هؤلاء النساء اليوم؟ أين انتهت شهاداتهن، وأين انتهت الملفات التي صنعت منها رواية سياسية هائلة؟ وأين أولئك الحقوقيون والنشطاء الذين تصدروا المشهد آنذاك، وقدموا أنفسهم بوصفهم حراس الحقيقة والوطن؟ إذا كانت الشهادات صحيحة، فأين مساراتها القضائية ونتائج التحقيق فيها؟ وإذا ثبت أن بعضها كان مضللًا أو مختلقًا، فمن يتحمل مسؤولية الأثر الذي تركه في وعي الليبيين وفي صورة بلد بأكمله.
