نحو عقيدة وطنية للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب

بقلم / محمد جبريل
تعدد الأقطاب يزيد أهمية ليبيا الجيوسياسية، لتقاطعها بسبعة ملفات هي:
الطاقة، والمتوسط، وأوروبا، والهجرة، والساحل الأفريقي، وروسيا، والتنافس الأمريكي–الصيني.
المهم ليس: من سيحكم ليبيا؟ بل عضو دائرة التأثير الأكبر في قرارها، خدمةً لمصالحه.
الدائرة الأولى: دول الجوار والمغرب العربي
مصر: تعتبر ليبيا أمنًا قوميًّا، وتريدها مستقرة، وموحدة، وآمنة، وخالية من الإرهاب، ومن أي قوة معادية لها.
الجزائر: لا تريد ليبيا قوةً تثير مسائل حدودية معها، أو تنافسها في أفريقيا أو الطاقة أو الاستثمارات، ولا تريد استقلالًا لقرارها عن الجزائر، أو إقامة شراكات مع قوى معادية لها. كما تريد مواجهة إرهابييها في ليبيا خارج الجزائر.
انهيار ليبيا يعني للجزائر: حدودًا رخوة، وتهريبًا للسلاح، وانتشارًا للإرهابيين، وهجرةً، وجريمةً منظمة، ونشاطًا استخباراتيًّا أجنبيًّا، وانتقالًا لعدوى الانفصال.
مصلحة الجزائر في ليبيا مستقرة، وشريكًا في مكافحة الإرهاب، ومواجهة التدخلات الأجنبية، ولكن دون أن تعود قوة إقليمية منافسة.
إذا اتفقت القاهرة والجزائر على رؤية مشتركة تجاه ليبيا، فسيدعم وحدة ليبيا، ويحد من الصراع حولها، الاجتماع الثلاثي الجزائري–المصري–التونسي في 5/2026 خطوة في هذا المسار.
المغرب لعبت دورًا في الوساطات السياسية الليبية، لكنها رأس جسر للتطبيع، كما أن التنافس الجزائري–المغربي يؤثر في الأزمة الليبية. ويُخشى أن تصبح المغرب كويت المغرب العربي.
ليبيا بوابة النيجر وتشاد والسودان ومنطقة الساحل، فأي اضطراب في هذه المناطق ينعكس على الهجرة، والأمن، والتجارة، والجماعات الانفصالية، والإرهاب.
الدائرة الثانية: القوى الإقليمية – تركيا ودول الخليج والكيان.
تركيا، تتمثل مصالحها في عقود الإعمار، والتجارة، والطاقة، والاتفاقيات البحرية، وتعزيز نفوذها الإقليمي.
دول الخليج، تتحول من التأثير السياسي المباشر إلى الاستثمار والشراكات الاقتصادية.
الكيان: ستؤثر تطورات إيران وشرق المتوسط، في حساباته تجاه ليبيا. وليس من مصلحة ليبيا التطبيع مع العدو التاريخي للأمة.
الدائرة الثالثة: القوى الكبرى – أمريكا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
أهداف واشنطن الحفاظ على نفوذها في المنطقة، لحماية تدفق الطاقة، ومكافحة الإرهاب، ومراقبة النشاط الصيني والروسي.
أمريكا لا تحتاج إلى حكم ليبيا، بل تريد ليبيا مستقرة وغير منهارة، وألا تتحول إلى قاعدة لقوة منافسة.
روسيا: تنظر إلى العلاقات العسكرية والأمنية، والنفوذ في قطاع الطاقة، واستخدامها ورقة تفاوضية مع أوروبا وأمريكا، وموقع ليبيا على ساحل المتوسط، والوصول لأفريقيا، وخاصة بعد وضعها كماشة بين أوروبا واليابان.
الصين: تأثيرها أقل صخبًا، لكنه أكثر عمقًا؛ فهي لا تحتاج إلى وجود عسكري، بل تدخل عبر النفط، والموانئ، والطرق، والسكك الحديدية، والإسكان، والطاقة الشمسية، والبنية الرقمية، والاتصالات، والكهرباء، والصناعة، والتجارة.
الاتحاد الأوروبي تهمه ملفات الهجرة، والنفط والغاز، والأمن، والعلاقة مع روسيا.
إيطاليا: تعتبر ليبيا قضية أمن قومي؛ ولذلك تهتم باستقرار ليبيا، كما تهتم بالحضور الاقتصادي والاستثماري فيها.
فرنسا: تربط ليبيا بالساحل والنفوذ الأفريقي، والأمن، ومكافحة الإرهاب، فأي تغير في منطقة الساحل سيزيد من أهمية ليبيا بالنسبة إلى باريس.
اليونان: تسعى إلى تقليص النفوذ التركي وترسيم الحدود البحرية.
ليبيا لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة للحرب الروسية الأوكرانية، أو ورقة روسية لمواجهة الغرب، أو قاعدة غربية لمواجهة روسيا، وألا تجعل الصين بديلًا عن الغرب، ولا الغرب بديلًا عن الصين. أو ساحة للتغلغل الصهيوني، أو تتبنى الخطاب التكفيري الطائفي، أو تتغافل عن الخطر الوجودي، أو تنسلخ عن فضائها العربي أو الإسلامي.
السؤال هو: كيف نجعل الجميع يحتاجون لليبيا، دون تبعية لأحد؟
فبدلًا من أن تتصارع الدول داخل ليبيا، فلنتعامل مع الجميع من موقع الشريك، وفق مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية، لدفع القوى الدولية والإقليمية إلى التنافس على الاستثمار فيها، بدلًا من التنافس على السيطرة على قرارها.
ينبغي أن تمتلك ليبيا مشروعًا جيوسياسيًّا وطنيًّا يمتد لعشر سنوات، تُحدد فيه مصالحها وأولوياتها وخطوطها الحمراء وأدواتها التفاوضية، لتحقيق توازن المصالح، بدلًا من المحاور، والسيادة بدلًا من التبعية، ينطلق من القواعد الآتية:
1- توحيد مؤسسات الدولة
قيام حكومة ومؤسسات عسكرية وأمنية موحدة وشرعية؛ لأن الوحدة الوطنية هي الشرط الأول للسيادة والأمن القومي.
2- بناء القوة الذاتية
الدولة القوية اقتصاديًّا وعسكريًّا ومؤسسيًّا هي الأقدر على اتخاذ قرارات مستقلة، وحماية مصالحها الوطنية
3- عدم الاصطفاف الدولي الدائم
لا ينبغي لليبيا أن تدخل الحرب الباردة الجديدة نيابةً عن أي طرف، بل عليها أن تحافظ على علاقات متوازنة مع الجميع، دون تبعية لأي محور.
4- تنويع الشركاء
فتح المجال أمام جميع الدول، وفق قواعد المنافسة والشفافية والمصلحة الليبية.
5- استخدام النفط كقوة تفاوضية
النفط ثروة وطنية يجب أن يكون أساسًا للتنمية والتوزيع العادل والعدالة الاجتماعية، وليس كسلاح سياسي بين الليبيين.
6- تحويل الجغرافيا إلى قوة
يمكن لليبيا أن تصبح بوابة بين أوروبا وأفريقيا، وهذا يتطلب استراتيجية متكاملة لتحويل الجنوب من منطقة رخوة إلى منطقة جذب اقتصادي واستقرار سكاني، من خلال الأمن والتنمية والتعاون الأفريقي؛ فحماية الحدود لا تتحقق بالوجود العسكري وحده، وإنما أيضًا بإقامة المدن والمشروعات الزراعية والصناعية والسياحية، واستغلال الطاقة الشمسية، وإنشاء ممرات التجارة، وربط الجنوب ببقية مناطق البلاد، ويجب أن تكون ليبيا حاضرة وفاعلة في صياغة الاستراتيجية الأفريقية.
خاتمة: دخلت ليبيا في 30/8/2026 مرحلة سياسية جديدة، بالاتفاق على إجراء انتخابات خلال عامين. وإذا نجح هذا المسار، فإن حسابات جميع القوى تجاه ليبيا ستتغير.
