مقالات الرأي

فلسطين وإن طال الزمان



بقلم / سيد العبيدي

منذ أن بدأت قضية فلسطين تكتب بدماء أبنائها، لم يكن نضال الشعب الفلسطيني مجرد لحظة عابرة في تاريخ المنطقة، ولا رد فعل مؤقتًا على احتلال أو عدوان، وإنما كان مسيرة طويلة من الصمود والتشبث بالأرض والهوية والحق في الحرية والاستقلال.

على مدار عقود، حاول العدو الإسرائيلي -بكل أدوات القوة- أن يفرض واقعًا جديدًا، وأن يجعل من الزمن وسيلة لطمس القضية وتغيير الحقائق على الأرض، لكن الشعب الفلسطيني أثبت في كل مرحلة أن الذاكرة لا تمحى، وأن الأجيال التي تولد تحت الاحتلال لا تنسى وطنها، بل تحمل القضية من جيل إلى جيل.

فلسطين ليست مجرد حدود على خريطة، وإنما وطن وذاكرة وهوية وتاريخ. ولهذا ظل الفلسطيني متمسكًا بأرضه رغم التهجير والقتل والحصار والتجويع والاستيطان، ورغم محاولات اقتلاع الإنسان من المكان وإحلال واقع آخر مكانه.

لقد تغيرت أدوات الصراع، وتبدلت الحكومات والتحالفات، ومرت المنطقة بحروب وأزمات وانقسامات، لكن القضية الفلسطينية بقيت حاضرة، لأن جوهرها لم يتغير “شعب يريد أن يعيش حرًّا على أرضه، وأن يتمتع بحقوقه الوطنية والإنسانية المشروعة”.

وفي قطاع غزة، كشفت السنوات الأخيرة حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن قدرة هائلة على الصمود. وبين الركام والدمار، ظل هناك إنسان يتمسك بالحياة، وأم تحاول حماية أطفالها، وأسرة ترفض مغادرة أرضها، وشعب يؤكد أن اقتلاع الإنسان من بيته لا يعني اقتلاع انتمائه، والجميع يردد “فلسطين وإن طال الزمان وإن طال الكفاح وطالت المعاناة”.

وفي الضفة الغربية والقدس، تستمر معركة أخرى عنوانها الحفاظ على الأرض والوجود في مواجهة الاستيطان والتهجير والاعتداءات المتكررة. وفي الشتات، بقيت فلسطين حاضرة في وجدان ملايين الفلسطينيين الذين لم يسمحوا لعقود الغربة بأن تحول بينهم وبين وطنهم.

ولعل أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية ليس فقط آلة الحرب، وإنما محاولات تحويلها إلى مجرد ملف سياسي قابل للتأجيل، أو اختزالها في أرقام الضحايا والمساعدات والإعمار. فالقضية في جوهرها قضية شعب وحقوق وطنية، ولا يمكن لأي تسوية أن تنجح إذا تجاهلت هذه الحقيقة.

إن نضال الشعب الفلسطيني لا ينضب؛ لأنه يستمد قوته من قضية متجذرة في الوجدان، ومن ذاكرة جماعية لم تستطع السنوات محوها. وكلما ظن البعض أن القضية تراجعت أو أصبحت منسية، عادت فلسطين إلى واجهة الأحداث، لتؤكد أن القضايا العادلة لا تموت بالتقادم.

قد ينجح الاحتلال في فرض حصار على مدينة، أو السيطرة على أرض، أو تدمير منزل، لكنه لا يستطيع أن يفرض النسيان. وقد تستطيع القوة العسكرية تغيير ملامح المكان، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير انتماء الإنسان إلى وطنه.

ومن هنا، فإن مستقبل فلسطين لن يحسم فقط بما تملكه الأطراف من قوة عسكرية أو نفوذ سياسي، وإنما أيضًا بقدرة الشعب الفلسطيني على الحفاظ على هويته وحقوقه، وبقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات حقيقية تضمن حماية المدنيين وإنهاء الاحتلال وتحقيق حل عادل للقضية.

فلسطين ستظل حاضرة ما دام هناك فلسطيني يتذكر قريته، وطفل يعرف اسم مدينته، وأم تحكي لأبنائها عن وطنها، ولاجئ يحتفظ بمفتاح بيته، وإنسان يؤمن بأن له حقًّا في أرضه وكرامته وحريته.

لهذا فإن نضال شعب فلسطين لن ينضب، ولن تنتهي حكايته بمجرد تغير الظروف السياسية. فالشعوب قد تتعب، وقد تمر عليها سنوات قاسية، لكنها حين تحمل قضية بهذا العمق، فإنها تواصل السير مهما طال الطريق.

وسيظل السؤال الفلسطيني قائمًا حتى يجد طريقه إلى العدالة؛ لأن السلام الحقيقي لا يُبنى على النسيان، والحقوق لا تسقط بمرور الزمن، والحرية لا يمكن أن تصبح حلمًا مؤجلًا إلى الأبد.

فلسطين ليست قضية انتهت، وإنما قضية شعب ما زال يناضل من أجل حقه في الحياة والحرية والكرامة. وسيبقى هذا النضال حاضرًا ما بقيت فلسطين في الوجدان، وما بقي شعبها متمسكًا بحقه في وطنه. فالقضايا العادلة لا تسقط بالتقادم، والحقوق لا تموت بمرور الزمن، والحرية لا يمكن أن تظل حلمًا مؤجلًا إلى الأبد.

فلسطين وإن طال الزمان، سيبقى نضال شعبها شاهدًا على أن الحق لا يموت.

زر الذهاب إلى الأعلى