مقالات الرأي

دينار بلا فجوة


عبدالفتاح الشريف
تتحدد أهداف السياسات الاقتصادية الكلية عادة في أربعة محاور رئيسية، وهي تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، والتشغيل الكامل للعمالة «القضاء على البطالة»، واستقرار المستوى العام للأسعار، وتحقيق توازن ميزان المدفوعات «استقرار العملة الوطنية».
وتكمن أهمية هذه الأهداف في أنها مترابطة، فأي إخلال بأحدها ينعكس سلبًا على الأخرى. وتجربة ليبيا المعاصرة في إدارة سعر صرف الدينار تبرز هذا الترابط بوضوح، وتظهر أن نجاح أي سياسة نقدية يتوقف على تكاملها مع سياسة مالية رشيدة.
فالسياسة النقدية وحدها، مهما كانت أدواتها متطورة، لا تستطيع معالجة اختلال ناتج عن سياسة مالية توسعية غير منضبطة. فظاهرة السوق الموازي لم تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة فائض كبير من الدينارات في السوق، تقابله كمية محدودة من الدولارات المتاحة، الأمر الذي يشكل ضغطًا مستمرًّا على سعر الصرف، ويهدد استقرار الأسعار، وهو ما يمثل انتهاكًا صريحًا لهذا الهدف من أهداف السياسة الاقتصادية الكلية.
وقد كان الاتفاق على سياسة الإنفاق الموحد خطوة محورية نحو ضبط السياسة المالية، والتي كانت خطوة غير مسبوقة منذ عام 2014. إلا أن هذا الاتفاق لم تصاحبه خطوات جادة تهدف إلى ضبط الإنفاق العام والحد من التشوهات المالية، بما يدعم استقرار سعر الصرف وتقوية الدينار. ويُعتبر هذا الإجراء المالي ضروريًّا لتحقيق توازن ميزان المدفوعات عبر تقليص الطلب الاستيرادي وتقليل الضغط على الاحتياطيات.
وقد صاحب ذلك توجه السياسة النقدية، لاتخاذ بعض الإجراءات الأخيرة لتنظيم سوق الصرافة لأول مرة في تاريخ ليبيا، والبدء بتوزيع الدولار نقدًا عبر المصارف التجارية، بهدف تقليص الاعتماد على السوق الموازية والحد من المضاربات في محاولة لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، واعتبار ذلك هدفًا أساسيًّا للسياسة النقدية.
وقد حذر خبراء الاقتصاد الليبيون مرارًا من أن تعديل سعر الصرف لا يمكن أن يكون بديلًا عن الضبط المالي اللازم. فالتجارب الدولية (تركيا ومصر) تظهر أن التخفيض وحده، دون معالجة الأسباب الجذرية، لا يحقق الاستقرار المنشود؛ فالتضخم التوقعي الذي حدث في تركيا جعل التخفيض يولد توقعات تضخمية مستمرة، ولم تكتف التجربة المصرية بتعديل سعر الصرف، بل عالجت أسباب الفجوة ونجحت في القضاء على السوق الموازية وفي جلب الاستمارات الأجنبية وتوحيد سعر الصرف حيث أعلن المصرف المركزي المصري عن أفق زمني واضح لمستهدفات التضخم حتى 2028 مما ساهم في إعادة بناء الثقة في السياسة النقدية.
وتمنح هاتان التجربتان دروسًا للحالة الليبية تتمثل في أن التخفيض وحده دون إصلاح مالي ونقدي متزامن لا يعالج الفجوة، بل يخلق تضخمًا توقيعًا كما حدث في تركيا لأن التوقعات المتشائمة أصبحت تساهم في التضخم أكثر من سعر الصرف وحده، وأن نجاح الإصلاح يتطلب حزمة متكاملة، حيث إن تحرير سعر الصرف يجب أن يرافقه رفع الفائدة وضبط الإنفاق واستعادة الثقة وجدب التحويلات والاستمارات كما فعلت مصر.
إن استمرار الفجوة بين السعرين ليس مجرد خطأ تقني في التسعير، بل هو أداة لإعادة توزيع الثروة لصالح من يملكون وصولا إلى الدولار الرسمي وتكبد المواطن العادي والمستورد الحقيقي لفاتورة هذه الفجوة.
أي أن التجربة المصرية أثبتت أن تحرير سعر الصرف مع الحماية الاجتماعية المناسبة يمكن أن ينهي هذا التشوه، وأن التجربة التركية تحذر من أن التخفيض قد يتحول إلى حلقة مفرغة، تخفيض ويتبعه تضخم ثم تخفيض جديد ثم تضخم أعلى.
فالمطلوب اليوم هو مسار متكامل لا يكتفي بتعديل سعر الصرف -الذي هو مجرد عرض من أعراض الخلل، بل يعالج جذور المشكلة التي تتمثل في تثبيت المالية العامة وضبط الإنفاق. فالإصلاح النقدي دون إصلاح مالي أشبه بمعالجة أعراض المرض مع إهمال أسبابه، والتي يجب التصدّي لها بخطوات متدرجة تبدأ بوقف التمويل النقدي للعجز، والتخفيض التدريجي للدعم غير الموجه، وتوحيد سعر الصرف عن طريق مزادات شفافة مع تحديد سقف للعمولة (مثلًا لا يتجاوز %0.5).
ولذلك فإن التعديل السعري يجب أن يكون آخر الخطوات وليس أولها، وذلك بعد تهيئة البيئة المالية والنقدية. كما يجب اقترانه ببرنامج حماية اجتماعية موجّه للمستحقين وآلية واضحة لمنع عودة الفجوة.

زر الذهاب إلى الأعلى