مقالات الرأي

دولة تتآكل من الداخل



بقلم عبد الله ميلاد المقري

في الوقت الذي أسرعت فيه السيدة هانا تيتيه بتقديم إحاطتها إلى مجلس الأمن في العشرين من أغسطس 2026، وحالها يقول إنه لم يعد للبعثة الحديث عن التوافق بين الأطراف التي تدير الدولة، وهي غير مستعجلة على دفع العملية السياسية إلى حالة إنهاء الانقسام السياسي بوجود سلطات متوازية، كل منها تتربص بالأخرى وتحاول أن ترث العملية السياسية بمنافعها، وحتى ضمن تركيبتها المصلحية إلى حد التخمة، ويصبح من المستحيل، وفق هذا التغول، أن تكون هي جزءًا من الحل، وهي هذا الكل المركب من الأزمة.

ولعل ما جعل السيدة هانا تيتيه تنتقل إلى حالة القفز من الدفع بهذه الأطراف إلى حالة التوافق، من إدارة الأزمة إلى تنفيذ خريطة الطريق بشكل أسرع، وشجعها ذلك الغضب الاجتماعي وما يشبه غليان الشارع ليصل إلى مرحلة الثورة الشعبية، بتراكم الأزمات الحياتية، وأيضًا ما يفسر اقتراب هذا الغضب من ذكرى وطنية مثلت الحنين إلى مشروع وطني، سيما ما أُعلن عنه من وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية من أن الليبيين سيكون بإمكانهم، وعلى الأقل أنصار ثورة الفاتح العظيم وأنصار النظام الجماهيري، الاحتفال بهذه المناسبة سلميًّا وتعبيرًا، ما يعطي أن الأزمات التي تتراكم الآن وصلت إلى الحد الذي لم يعد يُطاق.

وبالتالي كانت مناقشات مجلس الأمن وتوجه البعثة، لأول مرة، يفقد الثقة في أن يلتقي الأطراف التي تعيش السلطة وتتوزعها لنفسها ولمصالحها وحتى لهيكلها الجهوي والقبلي، تخالف مصلحة البلاد الليبية على قاعدة أن ينطلق الحل من هذه الأطراف.

ويظهر من خلال الإحاطة وتدخلات أعضاء مجلس الأمن أن الرأي العام، وحتى ما يعني القرارات، يتجه إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى حل الأزمة، بل بعضهم عاب على تأخر البعثة في تنفيذ منظومة خريطة الطريق. ومن هنا تعطي عوامل أخرى للبعثة سرعة تنفيذ خريطة الطريق، وإحجام الأطراف عن الاستمرار في منع أي تقدم سياسي في طريق الحل.

ويشار إلى تغيير في موقف الخارج، بداية من الولايات المتحدة الأمريكية والموقف الأوروبي والدول الإقليمية، ولا سيما جمهورية مصر العربية، والضغط الشعبي نتيجة الأزمات المتعددة، منها الاقتصادية، وفق أزمة مصرف ليبيا المركزي والسيولة وانهيار الكهرباء وقضية ارتفاع الأسعار وانهيار المنظومة الصحية والتوترات الأمنية في العاصمة والمنطقة الغربية، ما يعبر عنه بالوصول إلى نقطة يصفها البعض بأن الدولة الليبية أصبحت تتآكل من الداخل، ولم يعد ينفعها أي أمصال تصبيرية للحصول على المناعة الواقية من سقوط الأطراف التي يُعوّل على سقوطها وانهيارها، وعندها يصبح الليبيون هم أول من يسجل وفاة الدولة، التي غاب عمن يدير شأنها أن يكون أول من يميط اللثام عن نهايتها المأساوية.

زر الذهاب إلى الأعلى