مقالات الرأي

كلام جميل لكن غير معقول!!



بقلم / د – مصطفى الزائدي

‏الأزمة الليبية الخانقة التي أصابت كل مناحي الحياة في البلاد وعسّرت من معيشة الليبيين إلى حد اختصرت فيه حقوق الإنسان في الحصول على ماء وخبز وعلى لترات من البنزين والديزل وعلى ساعات من الطاقة الكهربائية، وأصبحت شعارات الحرية والتحرر والديمقراطية وحق الحصول على التعليم المناسب والصحة وحق المساواة في الحياة الكريمة في مقدمة أولويات حقوق الإنسان في بلادنا مع شديد الأسف بالرغم من أنها كانت الوسيلة التي استخدمت لإسقاط النظام الوطني الذي توفرت خلاله كل هذه المتطلبات بكل سهولة ويسر ودون معاناة.

هذه الأزمة الكبيرة وغير المسبوقة في التاريخ الليبي صاحبها طرح عدة أفكار للخروج منها، وكان من أبسطتها وأهمها -في نفس الوقت- فكرة الحوار بين الليبيين للتوافق على آليات عمل تمكنهم من تجاوز الأزمة وآثارها، لكن تلك الحوارات كلها التي أطلقت منذ عام 2012 كانت بين طرف واحد، وتركزت على تقاسم السلطة بين المجموعات النافذة، وكان هدفها الأساس توزيع مغانم السلطة والثروة بين المنتصرين في فبراير، سواء من الطرف الدولي أو المحلي، لكنه غلف بشعار براق وخادع بكونه حوارًا وطنيًّا ليبيًّا بغرض بناء الدولة، وذلك قول باطل مهما كانت دقة التغليف وحجم الدعاية المصاحبة، لمحاولة إظهارها وكأنها تنسجم مع المطالب الحقيقية للشعب، والنتيجة نراها اليوم بتعقد الأزمة وتطورها ووصول البلاد إلى حالة انهيار تام قد يصعب إن لم يكن يستحيل الخروج منها.

‏اليوم تطرح أفكار مشابهة وإن كانت تختلف في الشكل المضمون، من أبرزها فكرة بناء تيار وطني واسع يستعيد الدولة، يتكون -على حسب المنظرين له- من عقلاء المملكة وعقلاء من انتظام الجماهيري وعقلاء من فبراير ومن تيار الكرامة، يقول السودانيون هذا كلام جميل لكنه غير معقول، عندما يصفون أمرًا باطلًا يقال بكلام قد يفهم على أنه حق، وهو نوع من ذكاء البلاغة السودانية الرائعة، لنعد إلى تاك المقترحات، وهي خدعة بصرية كبيرة، لكن الأمر الأكثر أهمية الذي يفضح ويبين أن هذا الطرح خادع لفكرة بيان تيار يجمع ليبراليين وجماهيريين وإسلاميين وملكين وعسكريين، والسؤال البديهي يا ترى سينافس من؟ قد يقول قائلهم إن المقصودة ببناء تيار واسع، ليس منافسة الآخرين وإنما بناء اتفاق الجميع لكي تكون ليبيا للجميع، وذلك فعلًا وليس قولًا كلام جميل، لكنه ليس معقولًا، فالصراع في ليبيا -في حقيقته- صراع بين تيار مدني بشقيه السبتمبري أو الفبرايري، وهو تيار مدني وتيار ديني بشقه الإخواني والسلفي وحتى التكفيري الذي يسعى إلى تأسيس الدولة وفق أفكار دينية، صنعها ‏المستعمر للأسف في القرن التاسع عشر والقرن العشرين وأسس لها تنظيمات ومنظمات ومولها ومكنها من العبث بالدين الإسلامي، أولا وبالوطن العربي والعالم الإسلامي، وهذا المقام لا يسمح بالتعمق في هذا الموضوع. وبعيدا عن النوايا والاختلافات، هذان التياران متناقضان ويستحيل بأي شكل أن يندمجا في مشروع واحد إلا إذا كان المقصود هو عمل شكلي خداعي لأهداف وأجندة مخفية، المنطق يقول بإمكانية اندماج الجماعات ذات التوجهات الدينية في تيار ديني واحد، وقد تتشكل الأطراف المدنية في تيار وطني مدني. يتنافس هذان التياران لخدمة الوطن، وقد يصلان في مرحلة ما إلى توافقات لإنقاذ البلد وهذا أمر مطلوب، لكن الإفراط في التفاؤل والخطابات الإنشائية ودغدغة عواطف الناس…..؟؟؟؟؟؟

القول إن الوقت قد حان لوقف الصراع بجرة قلم وبخطبة شيخ، بين هذه التيارات المختلفة جوهريًّا وتأسيس إطار يجمعهما كلهم، هو في تقديري كلمة حق يراد بها باطل ليس إلا.

زر الذهاب إلى الأعلى