مقالات الرأي

كيف رُسمت خريطة التفكيك؟



بقلم / أحمد رمضان

لم يكن وعد بلفور عام 1917 مجرد رسالة سياسية دبلوماسية بعث بها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد، بل كان جزءًا من سياق تاريخي أوسع ارتبط بالمشروع الاستعماري الأوروبي وإعادة تشكيل المنطقة العربية بما يخدم مصالح القوى الكبرى.

وفي هذا تبرز الرواية المتداولة حول «مؤتمر كامبل بنرمان» عام 1907، رغم الجدل التاريخي حول تفاصيله ووثائقه، لكن ما هو ثابت أن العقل الاستعماري الأوروبي كان يدرك الأهمية الاستراتيجية الاستثنائية للمنطقة العربية، ومخاطر تحولها إلى قوة موحدة تمتلك القدرة على التأثير في موازين القوى الدولية.

فالمنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج لا تمثل مجرد مساحة جغرافية واسعة، بل تقع في قلب العالم، وتشرف على ثلاث قارات، وتتحكم في أهم طرق التجارة والممرات البحرية، من جبل طارق إلى قناة السويس، ومن باب المندب إلى مضيق هرمز، ظلت الجغرافيا العربية عاملًا أساسيًّا في الصراع الدولي.

ولهذا لم يكن الاستعمار الأوروبي ينظر إلى المنطقة باعتبارها أراضي يمكن احتلالها فقط، بل باعتبارها فضاء يجب إعادة تشكيله سياسيًّا وجغرافيًّا، بحيث لا يتحول إلى قوة قادرة على حماية مصالحه واستثمار موارده.

ومن هنا جاءت سياسة التقسيم وإنتاج الكيانات المتصارعة، فبعد الحرب العالمية الأولى، لم تسقط الدولة العثمانية فقط، بل أعيد رسم خريطة المنطقة، قسمت اتفاقيات النفوذ أراضي المشرق العربي، وفرضت الحدود، وتحولت شعوب كانت تتحرك داخل فضاء جغرافي واحد إلى كيانات سياسية منفصلة.

وفي قلب هذه التحولات كانت فلسطين.

فالموقع الجغرافي لفلسطين جعلها ذات أهمية استثنائية في الحسابات الاستراتيجية البريطانية، وفي الوقت نفسه كانت الحركة الصهيونية تبحث عن قوة دولية كبرى تتبنى مشروعها السياسي وتوفر له الحماية اللازمة. وجاءت الحرب العالمية الأولى لتشكل اللحظة المناسبة. في الثاني من نوفمبر عام 1917، أعلن وعد بلفور دعم بريطانيا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في قرار اتخذته قوة استعمارية بشأن أرض لم تكن تملكها، ومن دون استشارة شعبها.

ثم جاء الانتداب البريطاني ليحول الوعد إلى واقع عملي، عبر تسهيل الهجرة اليهودية وتوفير الظروف السياسية والتنظيمية لنمو المشروع الصهيوني، بينما وجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام مشروع استيطاني يتوسع تحت حماية القوة العسكرية البريطانية.

وكانت النتيجة الطبيعية هي المقاومة.

بلغت هذه المقاومة ذروتها في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، عندما انتفض الفلسطينيون في مواجهة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني. ورغم القمع العسكري الواسع الذي تعرضت له الثورة، فإنها أثبتت أن الشعب الفلسطيني لم يكن يوما طرفًا غائبًا عن تقرير مصيره.

إن قراءة الطريق الممتد من بدايات القرن العشرين إلى وعد بلفور تكشف حقيقة أساسية: الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل مشروعًا لإعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد بما يضمن استمرار النفوذ والسيطرة.

لقد رحل الاستعمار التقليدي، لكن كثيرًا من الخرائط التي رسمها بقيت، كما بقيت الانقسامات والصراعات التي غذتها تلك المرحلة.

ولهذا، فإن أخطر درس يمكن استخلاصه ليس الاكتفاء بالبحث عن المؤامرات في صفحات التاريخ، بل فهم كيف استغلت القوى الكبرى عوامل الضعف والانقسام لتفرض مشاريعها.

فالتاريخ لا يتغير بمعرفة ما حدث فقط، وإنما بمعرفة لماذا حدث، وكيف يمكن منع تكراره.

ومن كامبل بنرمان، بوصفه رمزًا للرؤية الاستعمارية تجاه المنطقة، إلى وعد بلفور بوصفه أحد أخطر تجلياتها، يمتد خيط واحد واضح: أمة ممزقة يسهل رسم مستقبلها الآخرون، وأمة موحدة تمتلك القدرة على كتابة تاريخها بنفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى