مقالات الرأي

حين تتكلم الرمال وتصمت الإمبراطوريات


بقلم/ محمد عبد القادر

ليبيا.. لغز الجغرافيا ومقبرة الغزاة: حتما يُخطئ من يظن أن مقولة “صحراء ليبيا تبتلع الغزاة” مجرد تفخيم عاطفي أو فانتازيا سينمائية؛ فالتاريخ بوقائعه الموثقة يشهد أن جغرافيا ليبيا كانت دومًا المقبرة الاستراتيجية التي تتكسر عليها أطماع الإمبراطوريات. فعندما حاولت الإمبراطورية الرومانية إخضاع قبائل الجرمنت جنوبًا، أكد المؤرخ بليني الأكبر عجز القوات الرومانية أمام قسوة المناخ وشدة الرجال.

وحين دخلت إيطاليا الفاشية ليبيا ظنًّا منها أنها نزهة سريعة، صُدمت بمقاومة ضارية وثقها المؤرخ أنجلو ديل بوكا، حيث تحولت رمال الصحراء إلى فخ طبيعي وكارثي على قوات الغزو الإيطالي.

حيث يُعد المؤرخ الإيطالي أنجلو ديل بوكا المرجع الأوروبي الأبرز والأكثر جرأة في كشف وتوثيق خبايا الاستعمار الإيطالي لليبيا.

في موسوعته الضخمة والمشهورة (مثل كتابه “الإيطاليون في ليبيا” بأجزائه المختلفة)، رفع الغطاء عن الأسطورة التي روجتها روما حول “الاستعمار الإنساني”، ووثق -بدقة متناهية- كيف تحولت رمال الصحراء الليبية إلى مقبرة لجيوش الفاشية وتحت وطأة مقاومة أسطورية غير متكافئة.

يوثق المؤرخ في تحليلاته أن المقاومة الليبية لم تكن مجرد تمرد عابر، بل كانت حركة تحرير شعبية شاملة نبعت من عمق الرفض الديني والوطني للاحتلال.

إن الليبيين، رغم بدائية أسلحتهم مقارنة بترسانة إيطاليا العسكرية الحديثة والغازات السامة، أظهروا صمودًا أسطوريًّا جعل الجنرالات الإيطاليين يعترفون بأنهم يقاتلون “شعبًا لا يُقهر بسهولة”.

الوحشية المفرطة كرد فعل إيطالي: بناءً على وثائق الأرشيف التي فككها ديل بوكا، فإنه يرى أن عجز الآلة العسكرية الإيطالية أمام شراسة المجاهدين هو ما دفع قادة الفاشية (مثل غراتسياني وبادوليو) إلى اللجوء لأبشع أساليب القمع والإبادة الجماعية: كبناء معسكرات الاعتقال الجماعية في برقة، وتسييج الحدود بالأسلاك الشائكة لعزل المجاهدين، وإعدام شيخ الشهداء عمر المختار، في محاولة يائسة لكسر إرادة شعب رفض الركوع.

يخلص أنجلو ديل بوكا في دراساته إلى أن الإمبراطورية الإيطالية – رغم تفوقها العسكري المؤقت واستخدامها لأبشع أساليب القمع- قد هُزِمت أخلاقيًّا وعسكريًّا على أرض ليبيا، وخرجت مهزومة من الذاكرة التاريخية لشعب دافع عن حريته باستماتة نادرة.

وفي الحرب العالمية الثانية، أقر الفيلد مارشال إرفين رومل في مذكراته بصعوبة هذه البيئة التي تجعل الخطأ اللوجستي فناءً محققًا.‬

هذا الإرث التاريخي ليس مجرد نوستالجيا “الحنين العاطفي إلى الماضي”، بل هو درع استراتيجي لاستنهاض الحاضر في مواجهة “الغزاة الجدد”.

فالقوى الأجنبية اليوم لا تأتي بالبوارج السافرة، بل تتخفى خلف شعارات “دمقرطة البلاد” والمجتمع المدني المشروط بالتمويل الخارجي، بينما هدفها الحقيقي هو نهب الثروات الاستراتيجية، والتحكم في الموقع الجيوسياسي الحاكم، واتخاذ ليبيا منصة للتغلغل في العمق الإفريقي.

لكن المأساة تكمن في هندسة المشهد الأمني لعرقلة أي تلاحم؛ إذ شرعنت قوى الهيمنة المليشيات المسلحة لتكون رأس حربة يمزق الوطن ويمنع أهله من التوحد والتصالح، مستهدفة الكوادر الوطنية والنخب بالتشريد والاعتقال لضرب النسيج الاجتماعي وإذكاء نيران التجاذب الجهوي.

في ظل انعدام المساحات الآمنة للعمل التنظيمي العلني، لا يملك الأحرار ترف الاستسلام، بل يجب الانتقال إلى “المقاومة الفكرية اللامركزية”.

ويتحقق ذلك عبر استثمار المنصات الرقمية المؤمَّنة، وتفعيل دور الحاضنة الاجتماعية الواعية كدرع واقيةٍ، وتوظيف شبكات الشتات لفضح الشراكة الدولية المشبوهة، مع مراكمة الوعي الصامت في عقول الأجيال.

إن معركة ليبيا اليوم هي معركة وعي وتماسك، واستدعاء الإرث النضالي هو السلاح الأبقى لإفشال مخططات الوصاية واستعادة سيادة الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى