مقالات الرأي

تعافي الوعي العام ضرورة لتعافي المجتمع الليبي


بقلم /محمد بوخروبة

ليس المجتمع الليبي اليوم في حاجة إلى مزيد من الضجيج بقدر حاجته إلى لحظة صادقة من التأمل.. لحظة يتوقف فيها الجميع أمام المرآة لا ليرى الآخر، بل ليرى نفسه، فالأزمات التي نعيشها لم تعد محصورة في الاقتصاد أو السياسة أو الخدمات، وإنما امتدت إلى مساحة أكثر خطورة وأعمق تأثيرًا مساحة الوعي العام.

فالوعي ليس مصطلحا نخبويا يخص المثقفين وحدهم، بل هو البوصلة التي تحدد طريقة المجتمع في النظر إلى نفسه، وإلى المال والنجاح والاختلاف والدين والقانون والآخر والمستقبل، وعندما تختل هذه البوصلة يصبح من السهل أن تتحول الفوضى إلى سلوك يومي، وأن يصبح الخطأ مألوفا وأن يتراجع الصواب أمام ضغط الجماعة وانتشار التقليد والبحث المحموم عن الظهور.

ومن أكثر المشاهد التي تستوقف المتابع لحال المجتمع الليبي اليوم ذلك الهوس المتزايد بالعقارات وإعلانات الشاليهات والفيلات التي تصل أسعار بعضها إلى عشرات الملايين، في وقت يعاني فيه المواطن في تفاصيل حياته اليومية ويكابد ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الحصول على كثير من احتياجاته الأساسية، المشكلة هنا ليست في امتلاك العقار أو السعي إلى الثراء، فذلك حق مشروع، وإنما في تحول الاستعراض المادي إلى قيمة اجتماعية بحد ذاته، وفي اتساع الفجوة بين منطق الحياة الواقعية ومنطق الصورة التي يجري تسويقها على منصات التواصل.

لقد أصبحت الثروة في بعض الخطابات الاجتماعية معيارًا للمكانة، وأصبح المظهر أحيانًا أهم من الجوهر، وأصبح السؤال ماذا تملك؟ أكثر حضورًا من السؤال، ماذا صنعت؟ وماذا قدمت؟ وما أثر وجودك في مجتمعك؟

وهذا التحول لا يمكن فصله عن تصاعد مظاهر الطبقية الفجة، وعن مشهد السيارات الفارهة التي تجوب الشوارع في سلوكيات لا تخلو من الاستعراض والاستفزاز، حتى يبدو المشهد في بعض الأحيان أقرب إلى سيرك يومي تتنافس فيه المركبات على لفت الأنظار، بينما تتراجع قيم الذوق العام واحترام الطريق والآخرين.

لكن الأخطر من المظاهر المادية هو ما يحدث في البنية الأخلاقية للعلاقات اليومية.. فالكذب والجشع والاحتيال والنفاق وعدم احترام الكلمة والموعد والاتفاق، باتت لدى البعض ممارسات يجري التعامل معها باعتبارها أمورًا عادية يمكن تجاوزها، بل إن الصادق أو الملتزم أحيانًا قد يبدو وكأنه الاستثناء في بيئة اعتادت التبرير.

وحين يفقد المجتمع احترامه للكلمة، فإنه يفقد شيئًا جوهريًّا من رأس ماله الأخلاقي، فالمجتمعات لا تقوم بالقوانين وحدها، وإنما تقوم كذلك بالثقة، ثقة الإنسان في الإنسان والتاجر في زبونه، والشريك في شريكه، والصديق في صديقه، والمواطن في مؤسسات بلاده، وحين تنهار الثقة، تصبح المعاملات أكثر تعقيدًا، والعلاقات أكثر هشاشة، ويصبح الجميع مضطرين إلى التحوط من الجميع.

وفي الوقت نفسه نشهد تمددًا لثقافة الترند، والهيافات والشائعات وكأن قيمة الحدث لم تعد مرتبطة بأهميته، وإنما بقدرته على جذب الانتباه، وأصبح كثيرون يشاركون المعلومة قبل التحقق منها ويصدرون الأحكام قبل معرفة الوقائع، ويحولون الإشاعة إلى حقيقة بمجرد تكرارها..

ولعل أخطر ما يواجه الوعي المعاصر هو قدرة التكنولوجيا، ومن بينها أدوات الذكاء الاصطناعي، على إنتاج صور ومعلومات يمكن أن تبدو حقيقية وهي ليست كذلك، وهنا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في مجتمع يستهلك المحتوى بسرعة أكبر من قدرته على التفكير فيه، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للمعرفة والإبداع، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى وسيلة للخداع والتضليل عندما يغيب الوعي النقدي.

ولا يقل خطورة عن ذلك انتشار الخرافة والدجل والخزعبلات، وتنامي الخطابات المتطرفة والشطط الديني أو اللاديني، إلى جانب فتاوى متضاربة ومعارك فكرية لا تنتهي، وفي كثير من الأحيان لا يعود الاختلاف بحثا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى معركة لإثبات الذات والانتصار على الخصم.

إن المجتمع الذي يتراجع فيه التفكير النقدي يصبح أكثر قابلية للتضليل، والمجتمع الذي يضعف فيه الحوار يصبح أكثر استعدادًا للشجار، والمجتمع الذي تتضخم فيه المظاهر على حساب القيم يصبح أكثر عرضة للانقسام الاجتماعي والأخلاقي.

من هنا، فإن الحديث عن تعافي الوعي العام ليس شعارًا ثقافيًّا، بل ضرورة وطنية، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للعقل وللمعرفة وللقيمة الحقيقية للإنسان، نحتاج إلى أن نربي أبناءنا على أن النجاح ليس سيارة فارهة، وأن المكانة ليست بعدد المتابعين وأن التدين ليس مظهرًا، وأن الوطنية ليست منشورًا وأن الذكاء ليس القدرة على خداع الآخرين، وأن القوة ليست في رفع الصوت وإلغاء المختلف.

نحتاج إلى مدرسة تعلم التفكير لا الحفظ فقط، وإعلام يفرق بين الخبر والإشاعة ومنصات اجتماعية يستخدمها الناس بوعي ومسؤولية، وخطاب ديني يواجه الخرافة والتطرف بدل أن يكرسهما، ومؤسسات تحترم القانون وتطبقه، ونخب تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والفكرية بدل الاكتفاء بالتعليق على انهيار القيم.

إن إصلاح المجتمع الليبي لا يبدأ فقط من تغيير القوانين أو ضخ الأموال أو بناء المشاريع، رغم أهمية كل ذلك، بل يبدأ كذلك من الإنسان نفسه من طريقة تفكيره ومن قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين النجاح والاستعراض وبين الحرية والفوضى وبين التدين الحقيقي والتدين الشكلي وبين الاختلاف والخصومة.

تعافي الوعي العام هو الخطوة الأولى نحو تعافي المجتمع، وحين يستعيد الإنسان الليبي ثقته بالعقل وبالقيمة وبالكلمة وبالقانون وبالعمل وبالآخر، يمكن عندها أن تبدأ عملية التعافي الحقيقي.

فالأوطان لا تنهض بالعمران وحده، ولا بكثرة السيارات والعقارات والشعارات، وإنما تنهض حين يصبح الإنسان أكثر وعيًا من فوضاه، وأكثر أخلاقًا من إغراءاته، وأكثر قدرة على التفكير من أن تقوده الشائعة، وأكثر احتراما للآخر من أن يحول الاختلاف إلى عداوة.

وليبيا اليوم لا تحتاج إلى مجتمع أكثر ضجيجًا، بل إلى مجتمع أكثر وعيًا، لا تحتاج إلى مزيد من الهوس بالمظاهر، بل إلى استعادة معنى القيمة، ولا تحتاج فقط إلى إصلاح ما تهدم من مؤسساتها، بل إلى إصلاح ما تآكل في وعي أبنائها..

فالوعي إذا تعافى بدأت الأخلاق في التعافي، وإذا تعافت الأخلاق استعادت الثقة مكانها، وإذا عادت الثقة أمكن للمجتمع أن يستعيد قدرته على النهوض.

زر الذهاب إلى الأعلى