إيران وأمريكا.. حين تصبح الحرب طريقًا إلى التفاوض

بقلم / منيرة محمد
ما يجري بين إيران والولايات المتحدة لم يعد مجرد تبادل للضربات العسكرية، ولا يمكن قراءته باعتباره حربًا تقليدية يسعى فيها طرف إلى هزيمة الآخر عسكريًّا. نحن أمام مواجهة أكثر تعقيدًا، تستخدم فيها القوة العسكرية لفرض شروط سياسية، بينما يتحرك الجميع تحت ضغط ساعة سياسية لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات.
فواشنطن لا تريد، على الأرجح، حربا مفتوحة وطويلة مع إيران، لأن الدخول في مستنقع جديد بالشرق الأوسط لا يمثل نصرًا يمكن تسويقه للرأي العام الأمريكي، بل قد يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل. وفي تل أبيب أيضًا، تتحرك حسابات الحرب تحت ضغط الداخل والسياسة والانتخابات ومستقبل القيادة الإسرائيلية. ولذلك تبدو الضربات العسكرية، مهما اتسعت، جزءًا من محاولة فرض واقع جديد يدفع في النهاية نحو تفاوض أكبر بشروط مختلفة.
لكن المشكلة أن الحروب لا تسير دائمًا وفقًا لما يخطط له السياسيون.
قد يبدأ التصعيد باعتباره أداة ضغط، ثم تتحول الضربة إلى رد، والرد إلى ضربة أكبر، حتى يجد الجميع أنفسهم داخل دائرة لم يعد أحد قادرًا على التحكم في نهايتها. وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: ليس السؤال من يريد الحرب، بل من يستطيع إيقافها إذا اشتعلت على نطاق أوسع؟
إيران تدرك أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة في القوة الجوية أو البحرية، لكنها تملك ورقة مختلفة تماما، هي القدرة على تهديد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز.
هذه الورقة لا تستهدف واشنطن وحدها، ولا إسرائيل، وإنما العالم كله. فأي تعطيل واسع للملاحة عبر المضيق يعني ارتفاعا فوريًّا في أسعار النفط، واضطرابًا في أسواق الطاقة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والإنتاج، ثم انتقال الأزمة تدريجيًّا إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات.
ولهذا فإن مضيق هرمز يمثل الورقة الإيرانية الأكثر حساسية، لأنه ينقل المعركة من حدودها العسكرية إلى الاقتصاد العالمي. فإيران قد تتعرض للحصار والعقوبات والضربات، لكنها تستطيع في المقابل رفع تكلفة المواجهة على الجميع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة تستخدم قوتها العسكرية والاقتصادية لدفع إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف، بينما تستخدم إيران قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة لإثبات أن خنقها اقتصاديًّا لن يكون عملية بلا ثمن.
إنها في جوهرها حرب تفاوض قبل أن تكون حرب تدمير.
الرئيس الأمريكي يحتاج إلى نتيجة سياسية واضحة، يمكن تقديمها باعتبارها انتصارًا، وإيران تحتاج إلى اتفاق لا يبدو استسلامًا، وإسرائيل تسعى إلى ضمان ألا تتحول أي تسوية إلى فرصة جديدة لطهران لاستعادة قوتها.
لكن بين هذه الحسابات السياسية يبقى الخطر قائمًا: أن يصبح التصعيد هدفًا بحد ذاته، وأن تتجاوز الحرب حدود النوايا الأصلية لأصحابها.
عندها لن تكون القضية مجرد صراع بين واشنطن وطهران، بل أزمة تهدد أمن الخليج واستقرار المنطقة والاقتصاد العالمي بأكمله.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟
بل: هل يستطيع الجميع العودة إلى طاولة التفاوض قبل أن تصبح الضربة التالية أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليها؟
