مقالات الرأي

المولد النبوي.. فرحةٌ لا تُفسدها الخلافات

بقلم/ يوسف امحمد الشريف

كل عام، ومع حلول شهر ربيع الأول، يعود الجدل حول المولد النبوي الشريف: فريق يرى أن الاجتماع لإحياء ذكرى مولد رسول الله ﷺ بدعة لا أصل لها، وفريق آخر يرى أن اجتماع الناس على قراءة القرآن، والصلاة على النبي، وذكر سيرته، وإطعام الطعام، والصدقة، وإدخال الفرح على الأطفال، من صور الخير التي يجوز فعلها ما دامت منضبطة بأحكام الإسلام. وبين الموقفين، يحتاج الناس إلى خطاب هادئ يفرق بين أصل الفرح بالنبي ﷺ، وبين بعض الممارسات التي قد تدخل على المناسبة من تجاوزات.

القرآن الكريم لا يذكر مناسبة سنوية باسم «المولد النبوي» ولا يضع لها شعائر مخصوصة، ولذلك من الدقة العلمية ألا نقول إن القرآن نص صراحة على إقامة احتفال سنوي بالمولد. لكن القرآن يؤسس لمعانٍ عظيمة تتصل بهذا الموضوع، منها الفرح بفضل الله ورحمته، وتعظيم النبي ﷺ، والصلاة والسلام عليه. يقول الله تعالى: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» يونس: 57 وقد فسر ابن كثير فضل الله ورحمته بما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق والقرآن، وهو ما يبين أن الفرح بنعمة الهداية والرسالة معنى مشروع في أصله.
والنبي محمد ﷺ هو رحمة الله للعالمين، كما قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» الأنبياء:107. كما أمر الله المؤمنين بالصلاة عليه والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» الأحزاب:56. ومن هنا، فإن اجتماع المسلمين على تلاوة القرآن، والصلاة والسلام على الرسول، وتعليم السيرة، وإطعام الطعام، والصدقة، والدعاء، هي أعمال لها أصولها العامة في الشريعة، وإن كان تخصيص يوم سنوي بهذه الصورة محل خلاف فقهي بين العلماء.

وتزداد المسألة وضوحًا عند النظر إلى السنة النبوية؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: «فيه وُلدتُ وفيه أُنزل عليَّ». وهذا الحديث ثابت، ويبين أن تذكر نعمة الميلاد النبوي ارتبط عند النبي ﷺ بعمل تعبدي هو الصيام شكرًا لله. وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث نصٌّ في إقامة احتفال سنوي، ولكنه دليل مهم على أن تذكر يوم مولده ﷺ يمكن أن يقترن بالطاعة والشكر، لا باللهو أو المخالفات.

ومن أبرز العلماء الذين ناقشوا المسألة الإمام جلال الدين السيوطي، الذي ألف رسالة «حسن المقصد في عمل المولد». وقد نقل عنه أن أصل الاجتماع على قراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار المتعلقة بمولد النبي ﷺ، وإطعام الناس، من «البدع الحسنة» عنده، لما يراه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده. كما ناقش صورًا محرمة يمكن أن تقع في بعض الاحتفالات، مما يدل على أنه لم يعتبر كل ما يفعله الناس في المولد صحيحًا بلا ضوابط.

وهنا تكمن القضية التي يجب أن يفهمها الناس جيدًا: لا يجوز أن نجعل أخطاء بعض المشاركين سببًا للحكم على جميع الناس، كما لا يجوز أن نجعل حب النبي ﷺ مبررًا لفعل شيء حرمه الله. فلو دخل على بعض المناسبات إسراف، أو اختلاط محرم، أو ألفاظ غير لائقة، أو أفعال تخالف الشرع، فالمشكلة في تلك الأفعال نفسها، وليس في محبة الرسول ولا في قراءة سيرته والصلاة عليه. والعدل يقتضي أن تُرفض المخالفة دون أن يتحول ذلك إلى خصومة مع كل من يفرح بذكرى مولده.

وفي المجتمعات التي تعاني ضغوط المعيشة والفقر والبطالة والأزمات النفسية والاجتماعية، قد يكون للمناسبات الدينية أثر اجتماعي إيجابي عندما تتحول إلى مساعدة للفقراء، وإطعام للمحتاجين، وفرح منضبط للأطفال، وتذكير بالسيرة والأخلاق والرحمة. فالطفل الذي يرى أسرته تجتمع لقراءة القرآن والصلاة على النبي وإطعام الناس وتوزيع الحلوى في جو آمن ومحترم، قد ترتبط في ذاكرته القيم الدينية بالمحبة والرحمة والتكافل، لا بالخوف والنزاع.

إن المولد النبوي، في نظر المؤيدين له، ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد الصلة بسيرة الرسول ﷺ، لا مجرد مظاهر خارجية. ويظل الخلاف الفقهي قائمًا، ومن حق العلماء أن يختلفوا، لكن ليس من حق أحد أن يحول المسألة إلى سبب لتكفير الناس أو تخوينهم أو تمزيق المجتمع. ومن حق من يرى جواز المناسبة أن يلتزم بالحلال ويترك المحرم، ومن حق من لا يراها مشروعة أن يبين رأيه بالدليل والاحترام.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل نختلف حول اسم «المولد»؟ بل: ماذا نفعل عندما نتذكر رسول الله ﷺ؟ هل نقرأ سيرته؟ هل نصلي عليه؟ هل نصوم ونشكر الله؟ هل نطعم فقيرًا؟ هل نعلم طفلًا خلقًا من أخلاقه؟ هل نقتدي بأمانته ورحمته وعدله؟ إذا تحولت المناسبة إلى كل هذه المعاني، فإنها تصبح فرصة للتذكير برسالة الإسلام، مع ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية وترك كل ما هو محرم أو مؤذٍ للناس.


فالفرح بالنبي ﷺ لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة بين المسلمين، كما أن الاختلاف الفقهي لا ينبغي أن يقتل الفرح المشروع، ولا أن يلغي احترام العلماء وتنوع اجتهاداتهم. وما يحتاجه الناس في زمن الأزمات ليس المزيد من الخصومات، بل مزيد من الرحمة، وهي الرسالة التي ارتبطت باسم النبي الذي وصفه القرآن بأنه «رحمة للعالمين».

زر الذهاب إلى الأعلى