مقالات الرأي

حين هدمنا النظام الصحي الذي بنيناه بأيدينا

د.علي المبروك أبوقرين

دول العالم لا تشبه بعضها ولا يمكن أن تشبه بعضها فلكل دولة تاريخها واقتصادها وثقافتها وتركيبتها السكانية وجغرافيتها وقدرتها المالية ودرجة تطورها ومشكلاتها الصحية والاجتماعية ولكل شعب حاجاته وأولوياته ولهذا فإن أعظم خطأ يمكن أن ترتكبه دولة هو أن تستورد نظاما صحيا جاهزا من بلد آخر ثم تحاول أن تضعه فوق مجتمع مختلف وكأن صحة الإنسان سلعة قابلة للنقل من مكان إلى آخر دون أن تتغير خصائصها وأهدافها وفلسفتها فالأنظمة الصحية ليست مباني وأجهزة وأدوية وتأمينات وشركات ومستشفيات فقط وإنما هي انعكاس لفلسفة الدولة تجاه الإنسان ولتصورها للعدالة ولحق المواطن والمقيم في الحياة والصحة ولقدرة المجتمع على حماية نفسه من المرض قبل أن يصل إلى المستشفى ومن هنا تبدو المفارقة الليبية أكثر إيلاما لأن ليبيا لم تكن تبحث في الماضي عن نموذج تستورده من الخارج فقد بنت نموذجا وطنيا متكاملا في ظروفها الخاصة ووفقا لقدرتها الاقتصادية واحتياجات شعبها وكانت الدولة تنظر إلى الصحة باعتبارها حقا عاما ومسؤولية وطنية ليست سوقا تجارية وكان المواطن والمقيم يجدان أمامهما منظومة صحية وطنية واسعة ومجانية استطاعت في مراحلها المختلفة أن توفر المستشفيات والمراكز الصحية والخدمات العلاجية والوقائية والتجهيزات والأدوية والمستلزمات وأن تستقدم الكفاءات الطبية من مختلف أنحاء العالم وأن تبني قاعدة من الأطباء والممرضين والفنيين والإداريين وأن تؤسس للتعليم الطبي والتدريب السريري على أيدي أطباء وأساتذة واستشاريين جاءوا من جامعات ومستشفيات عريقة ثم بدأ الليبيون أنفسهم يدخلون الجامعات والمستشفيات الكبرى في العالم ويعودون حاملين معهم المعرفة والخبرة ليضعوا اللبنات الأولى لطب ليبي حديث لم تكن المسألة مجرد مستشفيات تقدم علاجا للمرضى وإنما كانت دولة تبني منظومة كاملة لصناعة الإنسان الصحي والطبيب والممرض والفني والأستاذ والباحث والإداري وكانت المستشفيات جزءا من فلسفة التعليم الطبي وكان التدريب السريري جزءا أصيلا من صناعة الطبيب وكانت الخبرة تنتقل من الأستاذ إلى الطبيب ومن الطبيب إلى الطالب ومن المستشفى إلى الجامعة ومن الجامعة إلى المجتمع وكانت الدولة تفهم أن الطبيب لا يصنعه كتاب ولا محاضرة ولا شهادة وأن الممرض لا يصنعه منهج نظري وأن الاختصاص لا يصنعه ورق وأن الطب لا يمكن أن يتعلم بعيدا عن المريض والمستشفى وغرف العمليات والعناية المركزة والمختبرات والطوارئ والبحث العلمي. ثم حدث ما هو أكبر من مجرد خلل إداري وأعمق من مجرد نقص في التمويل فقد دخل النظام الصحي الليبي في مسار طويل من التآكل والتفكك ثم جاءت الصدمات السياسية والأمنية والاجتماعية لتضرب ما تبقى من بنيته حتى أصبح البلد الذي كان يمتلك منظومة صحية وطنية متكاملة يواجه اليوم مشهدا صحيا شديد التفكك تتجاور فيه مؤسسات متوازية وقرارات متضاربة وأسواق مفتوحة واحتياجات صحية متزايدة وتعليم طبي يتوسع أحيانا أسرع من قدرته على توفير مستشفى جامعي حقيقي وتدريب سريري حقيقي وهيئة تدريس أكاديمية حقيقية وهنا يصبح السؤال مؤلما إلى درجة يصعب معها الهروب منه، هل هدمنا صروحا لم نعد قادرين على إدارتها أم أن المصالح أصبحت أقوى من الصالح العام هل كان المطلوب أن نصلح النظام فهدمناه؟ وهل كان المطلوب أن نعيد بناء مؤسساته فبعثرناها؟ وهل كان المطلوب أن نطور التعليم الطبي فوسعنا أبوابه دون أن نوسع أبواب المستشفيات الجامعية؟ وهل كان المطلوب أن نرفع جودة الخدمات ففتحنا أبواب السوق أمام كل من يستطيع أن يبيع؟ وهل كان المطلوب أن نحمي المريض فتركناه وحيدا أمام المرض والسوق والدواء والشهادة والمعلومة الطبية؟ وهل أصبحنا نبحث عن حلول لمشكلات صنعناها بأنفسنا ثم نستورد أفكارا تزيدها تعقيدا ليس عيبا أن نتعلم من العالم لكن العيب أن نتعلم منه بلا عقل وأن نستورد النموذج دون أن نسأل هل يناسب ليبيا وهل يخدم الإنسان الليبي وهل يحمي المال العام وهل يقوي الدولة أم يضعفها وهل يجعل الصحة أكثر عدلا أم يحولها إلى سلعة وهل يصنع طبيبا حقيقيا أم يخرج صاحب شهادة وهل يواجه المرض أم يخلق اقتصادا يقوم على استمرار المرض. العالم ليس نموذجا واحدا والأنظمة الصحية ليست عقيدة واحدة فهناك دول اختارت الصحة العامة الشاملة الممولة من الدولة وهناك دول بنت أنظمة قائمة على التأمين وهناك دول تركت مساحة واسعة للقطاع الخاص وهناك دول جمعت بين أكثر من نموذج وهناك دول استطاعت أن تجعل المواطن يحصل على خدمات صحية عالية الجودة دون أن يتحول مرضه إلى كارثة مالية على أسرته ومن بين التجارب التي تستحق الدراسة العميقة نماذج الدول الإسكندنافية التي جعلت الدولة والمجتمع في قلب مسؤولية حماية الصحة ووفرت تغطية شاملة وخدمات واسعة ممولة بصورة عامة مع تركيز قوي على الرعاية الأولية والوقاية والعدالة والجودة والتنظيم العام. المغزى ليس أن تصبح ليبيا نسخة من السويد أو النرويج أو الدنمارك فليبيا ليست السويد وليست النرويج وليست الدنمارك والمجتمع الليبي له خصائصه واقتصاده له طبيعة مختلفة ودولته لها تاريخها ومصادر دخلها وتركيبتها السكانية لكن المغزى أن نملك الشجاعة لنسأل لماذا نستورد أحيانا أسوأ ما في بعض النظم الصحية بينما نتجاهل أفضل ما أنتجه العالم من أفكار في العدالة والجودة والتعليم والتدريب والحوكمة والوقاية وحماية المريض. كيف نقبل أن تصبح صحة الإنسان مجالا للمضاربة؟ وكيف يصبح المرض فرصة تجارية؟ وكيف يتحول الدواء إلى سوق مفتوح لا يعرف المريض فيه دائما من أين جاء الدواء ولا كيف وصل ولا هل هو أصلي أم مغشوش؟ وكيف يصبح الغذاء غير الآمن والماء غير الصالح والبيئة الملوثة عوامل يومية لصناعة المرض ثم ندفع أموالا لعلاج نتائجها بدلا من منع أسبابها؟ وكيف يصبح المريض هو الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أن تكون الدولة فيها هي الحارس الأول لحقه؟، والأكثر وجعا أن يتحول التعليم الطبي نفسه إلى سوق، فالشهادة الطبية ليست سلعة ولا ينبغي أن تكون كذلك والجامعة الطبية ليست متجرا للقبول، والطبيب لا يمكن أن يصنعه أستاذ لا يرى المرضى ولا مستشفى لا يتدرب فيه الطلاب ولا منهج لا يرتبط بالممارسة ولا شهادة لا يعرف صاحبها كيف يضع يده على المريض وكيف يفكر في التشخيص وكيف يتخذ القرار وكيف يتعامل مع الطوارئ وكيف يمارس الطب بأمان وأخلاق ومسؤولية. التعليم الطبي الحقيقي يحتاج إلى مستشفى جامعي حقيقي ويحتاج إلى مرضى حقيقيين وحالات حقيقية وأستاذ سريري حقيقي وتدريب حقيقي ووقت كاف ومناهج حديثة ومختبرات ومحاكاة وبحث علمي ونظام تقييم صارم وهيئة تدريسية تمتلك العلم والخبرة والوقت والقدرة على التعليم والإشراف ولذلك فإن إنشاء كليات طبية أكثر من قدرة الدولة على توفير المستشفيات الجامعية وأعضاء هيئة التدريس والتدريب السريري ليس توسعا في التعليم وإنما قد يتحول إلى توسع في إنتاج الشهادات، وهنا تكمن إحدى أكبر المآسي حين نخلط بين الحق في التعليم وبين الحق في الحصول على شهادة الأول حق إنساني عظيم والثاني مسؤولية مهنية لا يجوز أن تمنح إلا لمن استوفى شروط الكفاءة،
لقد كان من علامات قوة التجربة الليبية الأولى أن كثيرا من رواد الطب الليبيين تعلموا وتدربوا في جامعات ومستشفيات عريقة وعادوا إلى بلادهم ليبنوا مؤسساتها ويعلموا أجيالها ويضعوا أسس التخصصات المختلفة وكان الأستاذ الطبيب يرى التعليم والبحث والعلاج ثلاث وظائف متلازمة لا يمكن فصلها وكان المستشفى مكانا لصناعة المعرفة وليس مجرد مكان لعلاج المرضى، ثم بدأنا نتصرف وكأن بإمكاننا صناعة الطبيب خارج المستشفى وصناعة الاختصاص خارج التدريب السريري وصناعة الأستاذ خارج المدرسة الأكاديمية وصناعة البحث العلمي خارج المؤسسات العلمية وصناعة النظام الصحي خارج الدولة. وهذه ليست مجرد أخطاء فنية وإنما أزمة في فهم فلسفة الصحة والطب والتعليم. الطبيب ليس منتجا يخرج من خط إنتاج جامعي والمريض ليس زبونا والمستشفى ليس سوقا والدواء ليس سلعة عادية والجامعة ليست شركة والشهادة ليست بضاعة والميزانية الصحية ليست رقما ماليا فقط وإنما هي استثمار في بقاء المجتمع وقدرته على الحياة والإنتاج. حين تفقد الدولة مسؤوليتها عن هذه المعادلة يبدأ المرض في ابتلاع المجتمع شيئا فشيئا، مرض مزمن لا يجد متابعة مناسبة، وأسرة تبيع مدخراتها لعلاج أحد أفرادها، وطفل يصل إلى المستشفى في حالة كان يمكن منعها، ورجل يؤجل علاجه لأنه لا يستطيع دفع التكلفة، وامرأة تبحث عن دواء لا تجده، ومريض يسافر إلى الخارج لأن الداخل فقد القدرة على تقديم الخدمة، وطبيب يعمل في ظروف لا تمكنه من ممارسة مهنته كما تعلمها وممرض ينهار تحت ضغط العمل وفني لا يجد المعدات وأستاذ جامعي لا يجد مستشفى جامعيا يدرس فيه وطالب طب يدرس عن المرض أكثر مما يراه في الواقع. وهكذا تتحول المأساة الصحية إلى مأساة اجتماعية واقتصادية وإنسانية. فالمرض لا يأكل الجسد وحده إنما يأكل دخل الأسرة ومدخراتها ومستقبل أطفالها ووقت العامل وإنتاجية المؤسسة واستقرار المجتمع وكلما ضعفت الدولة في الوقاية والرعاية الأولية والعلاج المبكر ازداد الإنفاق على الحالات المتقدمة وازداد السفر للعلاج وازدادت فاتورة الدواء والمستلزمات وازداد اعتماد الناس على القطاع الخاص وازداد الفقر الصحي واتسعت الفجوة بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع. وهنا يجب أن نتوقف طويلا أمام فكرة خطيرة، هل نريد نظاما صحيا يعيش من أجل صحة الناس أم سوقا صحية تعيش من أجل المرض؟، النظام الصحي الوطني القوي يحاول أن يمنع المرض قبل أن يصل إلى المريض، ويكتشفه مبكرا ويتابعه ويمنع مضاعفاته، ويحمي الأم والطفل وكبير السن ويحاصر الأمراض المعدية وغير السارية، ويضمن سلامة الغذاء والماء والدواء ويراقب البيئة، ويستثمر في الصحة النفسية والوقاية والتطعيم والرعاية الأولية والتثقيف الصحي، ويقيم شبكة إحالة متكاملة ثم يجعل المستشفى جزءا من النظام، أما النظام الذي يترك السوق يقود الصحة فإنه قد يجد نفسه مضطرا إلى دفع أموال أكبر كلما زاد المرض وكلما تأخر التشخيص وكلما زادت المضاعفات وكلما ارتفع استهلاك الدواء وكلما زاد سفر المرضى للخارج. ليبيا لا تحتاج إلى البحث عن هوية صحية مستوردة لأنها كانت تملك في تاريخها تجربة وطنية أثبتت إمكانية بناء نظام صحي شامل في دولة نفطية ذات عدد سكان محدود وإمكانات مالية كبيرة نسبيا، وهي اليوم لا تحتاج إلى إعادة الماضي كما كان ولا إلى نسخ نموذج أجنبي وإنما تحتاج إلى استعادة الفكرة الجوهرية وتحديثها وبنائها على علوم الإدارة الصحية الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي والطب الوقائي والطب التنبؤي والرعاية الأولية والسجلات الصحية الوطنية والسجلات المرضية والبحث العلمي والتعليم الطبي الحديث والاعتماد والجودة وسلامة المرضى. تحتاج ليبيا إلى دولة صحية تعرف أن قوتها تقاس بقدرتها على حماية صحة شعبها، وتحتاج إلى نظام وطني موحد، وإلى قيادة صحية مهنية لا تتغير قواعدها مع تغير الأشخاص، وإلى تخطيط صحي طويل المدى، وإلى شراء وطني منظم وشفاف وإلى سلسلة إمداد دوائي يمكن تتبعها، وإلى رقابة صارمة على الدواء والغذاء والماء والبيئة، وإلى تعليم طبي لا يعترف بالشهادة التي لا تسندها الكفاءة وإلى مستشفيات جامعية حقيقية تعيد للطب الليبي روحه الأكاديمية، وإلى تدريب سريري لا يمكن اختصاره في ورقة أو ختم أو ساعات شكلية. للأسف فقدنا الإيمان بأن الدولة تستطيع أن تبني، وفقدنا الثقة بأن النظام العام يمكن أن يكون أفضل من السوق، وفقدنا احترامنا للتخصص الحقيقي، وفقدنا قيمة الأستاذ السريري وقدسية التدريب، ومعنى المستشفى الجامعي، وفقدنا الحدود الفاصلة بين المعرفة والشهادة وبين الطب والتجارة وبين الخدمة والاستثمار وبين حق الإنسان وقدرته على الدفع، وتركنا المواطن وحيدا أمام مرضه وهذا هو الجرح الذي لا يراه أصحاب الأرقام. الصحة هي مرآة الدولة نفسها إذا كانت الدولة قوية في حماية الإنسان ظهر ذلك في صحة الناس وإذا كانت ضعيفة ظهر ضعفها في المرض والدواء والغذاء والماء والتعليم الطبي والمستشفى والبحث العلمي..

زر الذهاب إلى الأعلى