مقالات الرأي

في سوق المرض العافية خسارة

بقلم / د.علي المبروك أبوقرين

الصحة في ليبيا لم تكن يوما حلما مستحيلا ولا منحة من احد، كانت حقا فهمته الدولة يوم امتلكت القدرة على بنائه، فحين اكتشف النفط لم تبن ليبيا نظاما صحيا يقوم على منطق السوق ولا جعلت مرض الانسان فرصة للربح إنما جعلت صحة الانسان جزءا من معنى الدولة نفسها، فبنت واحدة من أفضل البنى التحتية الصحية في المنطقة العربية وأفريقيا في ذلك الزمن وجهزت المستشفيات بما كان يعد من أحدث التجهيزات واستقدمت آلاف الأطباء والتمريض والفنيين، ووفرت الأدوية والمستلزمات من مصادرها العالمية الرئيسية، وجعلت العلاج متاحا مجانا وبنت التعليم الطبي على أساس أن الطبيب الذي تحتاجه البلاد لا يصنعه السوق إنما تصنعه الدولة فابتعثت المئات وأكثر إلى أفضل الجامعات ومراكز التدريب في العالم، وعندما كان العلاج غير متوفر داخل ليبيا لم يكن المريض يواجه الفقر أو الإنتظار أو المساومة إنما كانت الدولة ترسله إلى أفضل المراكز الطبية في أوروبا على نفقتها لأن حياة الإنسان كانت أغلى من المال ولأن الدولة كانت ترى في علاج مواطنها واجبا وليس صفقة، وفي صحة شعبها استثمارا في الإنسان وليس بندا تجاريا في ميزانية، وبعد ذلك تغيرت الفلسفة فتغيرت النتيجة، وعندما تحولت الصحة من حق إلى سلعة بدأ السوق يدخل من الأبواب التي فتحها انهيار النظام العام، فتكاثرت العيادات والمصحات والمختبرات والصيدليات والشركات والوسطاء وسلاسل التوريد والتأمين الصحي العام والخاص، وتحولت المنظومة من كيف نعالج الإنسان إلى أسئلة السوق كم سيدفع ومن سيدفع وكم سنربح وكيف نوسع النشاط وكيف نزيد عدد الإجراءات، وكلما دخل منطق الربح إلى مكان كان يجب أن تحكمه قيمة الحياة تحولت الخدمة الطبية من رسالة إلى منتج، وتحول الطبيب تدريجيا من صاحب مهنة إنسانية إلى مقدم خدمة يبيع إجراء، وتحول كل فحص وكل صورة وكل استشارة وكل تدخل وكل إحالة وكل دواء إلى بند في فاتورة، وصار تضخم الفاتورة علامة على اتساع السوق وليس على تحسن صحة المجتمع، ثم حدث الأخطر حين بدأ القطاع الخاص الذي يفترض أن يكون مكملا للدولة يعيش على انقاضها، فتعطلت المستشفيات العامة وتوقفت أجهزتها ونقصت أدويتها ومستلزماتها، وغابت الصيانة وتراجع التدريب، وتفككت الرعاية الصحية الأولية وفي الوقت نفسه بقيت مرتبات العاملين تدفع من المال العام، بينما إنتقل جزء من النشاط الفعلي إلى الخاص وأصبح بعض العاملين يجمعون بين العام والخاص في صورة تهدم معنى الوظيفة العامة، وتستنزف الدولة مرتين مرة حين تدفع المرتب ومرة حين يدفع المواطن فاتورة العلاج الخاص، وحين يترك العامل المستشفى العام ضعيفا ثم يقال للمريض إن الإمكانيات غير متوفرة يصبح المريض محاصرا بين مؤسسة عامة عاجزة وسوق خاص متضخم، ولا يبقى أمامه سوى الدفع وهو لا يملك في كثير من الأحيان القدرة على الإختيار، وهنا لا يعود السوق نتيجة لحاجة المجتمع إنما يصبح المرض نفسه وقودا للسوق، وكلما ضعفت الدولة اتسع الخاص، وكلما اتسع الخاص ازدادت الحاجة إلى ضعف الدولة في دائرة لا تنتهي حتى يصبح انهيار العام شرطا لازدهار الخاص، وتتحول معاناة المريض إلى مورد اقتصادي، وحين يصبح الربح هو البوصلة يصبح الأرخص مرغوبا ولو كان اردأ، وتصبح المساومة على الدواء والمستلزم والمختبر والتجهيزات امرا طبيعيا، فتفتح الأبواب أمام الأدوية المغشوشة والرديئة والمنتهية الصلاحية وتزدهر السمسرة في الاحالات والتدخلات والإجراءات والمستلزمات والأدوية ويتحول التمريض والفحص والعلاج والتشخيص إلى حلقات في سلسلة تجارية طويلة يعيش بعضها على حاجة المريض وبعضها على جهله وبعضها على خوفه وبعضها على اضطراره، ويظهر التأمين الصحي الطفيلي في مقدمة هذا المشهد حين يتحول إلى وسيط يقتطع من أموال الناس والمؤسسات أكثر ما يستطيع بينما يبحث عن ارخص خدمة وأقل تكلفة وأقل إنفاق حتى يصبح المريض في نهاية السلسلة هو من يدفع ثمن الربح وثمن التوفير وثمن الرداءة وثمن الاستنزاف، وفي مثل هذا النظام لن يكون التفكير في كيف نمنع المرض إنما كيف نزيد الخدمات القابلة للفوترة، ولا يصبح نجاح الطبيب في أن يقلل حاجة الإنسان إلى العلاج إنما قد يصبح اتساع الحاجة الى الفحوص والإجراءات علامة على ازدهار النشاط، وهنا تنقلب فلسفة الطب على نفسها فبدلا من أن تكون الوقاية أفضل من العلاج يصبح المرض سوقا أفضل من الوقاية، وبدلا من أن تكون الرعاية الصحية الأولية خط الدفاع الأول تتحول إلى الحلقة المنسية لأن الوقاية لا تنتج الفواتير التي ينتجها السوق، ثم تأتي الكارثة الأكبر حين يزداد عدد المرافق الخاصة بينما يتناقص جوهر النظام الصحي وتزداد أعداد حملة الشهادات بينما يتراجع مستوى الكفاءة، ويصبح حمل شهادة الطب دليلا على التخرج وليس دليلا على امتلاك المهنة، وتظهر الصورة ذاتها في التمريض والمهن الطبية المساعدة والادارة وسائر حلقات المنظومة، فيتسع العدد بينما تنكمش الجودة ويزداد العرض بينما يتراجع الأمان ويزداد الإنفاق بينما تتراجع النتائج، وهكذا يصبح المجتمع أكثر إنفاقا على الصحة وأقل صحة، ويصبح المواطن يدفع من ميزانية الدولة ويدفع من جيبه ويدفع للتأمين ثم لا يحصل بالضرورة على صحة أفضل إنما يحصل على رحلة أطول وأكثر تكلفة وأشد قسوة بين العيادة والمختبر والصيدلية والمصحة والمستشفى والوسيط وشركة التأمين وفي نهاية الطريق تزداد الأمراض ويزداد الفقر وتزداد الأخطاء الطبية والاعاقات والوفيات ويزداد الاستنزاف المالي، بينما ينهار النظام الذي كان يفترض أن يحمي الإنسان من كل ذلك، هذه ليست مشكلة سوق يحتاج إلى تنظيم أكثر وليست مشكلة اسعار تحتاج إلى تخفيض وليست مشكلة نقص مرافق تحتاج إلى مرافق جديدة إنها مشكلة فلسفة كاملة انحرفت من اعتبار الصحة حقا إلى اعتبارها سلعة، ومن اعتبار الطبيب انسانا مؤتمنا على حياة الإنسان إلى اعتباره طرفا في علاقة تجارية، ومن اعتبار المستشفى مؤسسة وطنية إلى اعتباره مشروعا استثماريا ومن اعتبار الدواء اداة للعلاج إلى اعتباره منتجا قابلا للمضاربة ومن اعتبار التأمين وسيلة للحماية الى اعتباره وسيطا يبحث عن هامش ربح ومن اعتبار المال العام أداة لبناء صحة المجتمع إلى اعتباره مصدرا تمول منه الدولة النظام العام ثم تعود لتنفق من جديد على شراء خدماته من السوق، ليبيا لا تحتاج إلى المزيد من الأسواق الصحية بقدر ما تحتاج إلى استعادة فلسفة الدولة الصحية التي بنت بها نظامها في زمن كانت فيه صحة المواطن حقا وليس سلعة والطب مهنة وليس تجارة والعلاج واجبا والمستشفى العام مؤسسة وطنية والرعاية الصحية الاولية اساسا، والدواء حقا والمال العام وسيلة لحماية الانسان وليس لتمويل سوق يعيش على مرضه، المطلوب وقف كل تضارب للمصالح وكل جمع بين سلطة القرار العام والمصلحة الخاصة وكل شكل من أشكال المتاجرة والاحالة القسرية والاستنزاف التجاري، والمطلوب إعادة بناء مستشفيات الدولة ومراكز الرعاية الأولية وسلاسل الدواء والمستلزمات، والتعليم الطبي والتدريب والرقابة والجودة والمساءلة على أساس واحد واضح لا يحتمل التأويل وهو أن حياة المواطن ليست سوقا وجسده ليس سلعة ومرضه ليس فرصة للربح والطبيب ليس بائعا والمستشفى ليس متجرا، والدولة التي تدفع من مال الشعب لا يجوز ان تترك شعبها يدفع مرة أخرى في السوق ثمن انهيار ما كان يجب عليها أن تحميه، لقد أثبتت ليبيا في زمن مضى أنها تستطيع أن تجعل الصحة حقا وأن تبني لها نظاما وترسل مريضها إلى آخر الدنيا إذا عجزت عن علاجه في الداخل، ولم تكن يومها دولة غنية بالمعنى الذي يتحدث عنه السوق إنما كانت دولة فهمت معنى الثروة فوجهتها إلى الإنسان واليوم لا ينقص ليبيا النفط ولا ينقصها المال ولا ينقصها الأطباء ولا ينقصها الشباب ولا تنقصها القدرة على بناء نظام حديث، ينقصها القرار الذي يعيد الصحة إلى مكانها الطبيعي، ويضع السوق في مكانه الطبيعي، وينهي الخلط الذي جعل العام يمول والخاص يربح والمريض يدفع والنتيجة أن الجميع يخسر، حين تصبح الصحة سلعة يصبح المرض صناعة وحين يصبح المرض صناعة يصبح الفقر جزءا من اقتصادها وحين يصبح الفقر جزءا من اقتصادها يصبح الإنسان الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أن تكون قد بنيت لحمايته، ولهذا فإن الدفاع عن الصحة العامة في ليبيا هو دفاع عن الإنسان وعن الدولة وعن العدالة وعن معنى الطب نفسه، ومن يساهم في تسليع الصحة أو إضعاف المستشفى العام أو تحويل مرض الليبي إلى فرصة للربح عليه أن يدرك أن القضية لم تعد خلافا في إدارة قطاع إنما هل نبني نظاما صحيا يحمي الإنسان من المرض والفقر معا أم نبني سوقا صحية يزداد اتساعا كلما ازداد مرض الإنسان، ليبيا لا تحتاج إلى أن تدير مرضا أكثر كفاءة، ليبيا تحتاج إلى أن تصنع صحة أكثر عدلا، وليست القضية كم مستشفى سنبني ولا كم عيادة ستفتح ولا كم شركة ستدخل السوق، القضية الأولى والأخيرة هي لمن بني هذا النظام ولمن تذهب موارده ومن يدفع ثمنه وما النتيجة التي يتركها وراءه، فإذا كانت النتيجة مزيدا من المرض ومزيدا من الفقر ومزيدا من الإنفاق ومزيدا من الأخطاء ومزيدا من الاستغلال، فقد أخطأنا الطريق مهما كثرت المباني والأسرة والأجهزة والشركات والفواتير، أما إذا عاد الإنسان إلى مركز النظام وعادت الدولة إلى مسؤوليتها وعاد الطب إلى رسالته وعادت الصحة إلى كونها حقا أصيلًا وليست سلعة فهناك فقط يمكن القول أن ليبيا بدأت من جديد…

زر الذهاب إلى الأعلى