مقالات الرأي

العدالة التصالحية


بقلم/ محمد بوخروبة

في أعقاب النزاعات المسلحة، غالبًا ما تكافح المجتمعات من أجل إعادة بناء العلاقات الاجتماعية التي تضررت أو دمرت بسبب العنف وسوء المعاملة، يمكن للعدالة التصالحية أن تلعب دورًا مهمًّا في مثل هذه المجتمعات، حيث تجمع الأشخاص الذين تضرروا من الجرائم والأفراد المسؤولين عن تلك الأضرار، غالبًا في شكل حوار توافقي لمعالجة الجريمة وعواقبها، عندما غاب القانون بسبب الصراعات، أصبحت القبائل هي الفيصل في هذا الأمر، مع العلم بأن المحاكم تعتد -بشكل كبير- على مخرجات الشق العرفي، وفى هذا الوقت العرف له دور كبير جدًّا، وهذا ما يتوافق مع عرفنا الاجتماعي والذي كان قد فرض توازنًا وسلمًا اجتماعيًّا في مرحلة انهيار الدولة، للشيوخ والحكماء والأعيان في ليبيا دور كبير في فض النزاعات وقضايا العرف الاجتماعي، كما أن دور العرف والشيوخ والحكماء مكمل للجانب القانوني في القضايا الاجتماعية، وقضايا المشاجرات والقتل والخلافات وغيرها من مشاكل المجتمع.

الصراعات الداخلية تعد أحد العوامل المهددة لاستقرار الدولة والسلم الاجتماعي، فهذه الصراعات تؤدي في أغلب الأحوال إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، وهذه المشكلة تبدو أكثر تعقيدًا في المجتمعات ذات التكوين القبلي، حيث المشكلة لا ترتبط فقط بحالة النزاع القائم، ولكنها تمتد إلى ما بعد هذا النزاع، حيث العلاقات الاجتماعية التي تصدعت تحتاج إلى وقت طويل لإعادتها إلى ما كانت عليه، إن تطبيق فكرة العدالة بوسائلها التقليدية ستمثل في مثل هذه المجتمعات إحدى مشاكل النزاع لا أحد حلوله، ففكرة العدالة في صورتها التقليدية التي تتخذ فكرة الجزاء الجنائي المطبق عبر سلسلة الإجراءات المسماة الدعوى الجنائية لن تؤدي -في تقديرنا- إلى حسم النزاع، بقدر ما أنها ستمثل مجرد إعلان عن انتهاء الخصومة من الناحية القانونية، ليبقى النزاع على المستوى الاجتماعي قائمًا.

على الرغم من التطور الذي شهده الفكر القانوني الجنائي، فإن نظرة المجتمع القبلي ما زالت تعد الجريمة اعتداءً شخصيًّا على حقوق الضحية، ولهذا فإن حسم النزاع يجب أن يأخذ في الاعتبار هذه الطبيعة الخاصة بحيث تكون الضحية هي أساس أي حل من خلال مشاركتها في التسوية.

إن العدالة التي تستهدف حل النزاعات الداخلية التي تحدث على خلفية الصراعات والثورات تتسم بخاصية إضافية، وهي أن مرتكب الجريمة عادة ما يتمتع بالقوة التي تؤهله لأن يكون بعيدًا عن طائلة العقاب، ولهذا فإن أسلوب الملاحقة الجنائية التقليدية لن يؤدي إلى تسوية النزاع من الناحية الواقعية، لا سيما على المستوى الاجتماعي، ولهذا فان تبني أساليب جديدة تأخذ في الاعتبار طبيعة النزاع وتهدف إلى تسوية الخلاف وإزالة آثاره من الناحية الاجتماعية، سوف يمثل أحد الحلول الناجعة لتذليل الصعوبات التي تواجه أي مشروع للمصالحة الوطنية.

التجربة الليبية لا تبدو بعيدة عن هذا التصور للمشكلة.

نظام العدالة التصالحية إطار قانوني فعّال لتحقيق أهداف العدالة التوافقية.

إن إيجاد إطار قانوني جديد للعدالة في مرحلة الانتقال في ليبيا، يقتضي في البداية البحث عن تحديد مفهوم العدالة الانتقالية، يوافق الأهداف التي نتطلع إلى تحقيقها في ظل معالجة مشكلة الحالة الليبية، في هذا الخصوص حدَّد قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013 أهم ركائز العدالة الانتقالية التي يهدف الليبيون إلى تحقيقها، حيث نص في مادته 5 على مجموعة من المبادئ أهمها، في هذا المقام ما يلي، المحاسبة الجنائية، المصالحة الاتفاقية، العفو التشريعى، جبر الضرر.

تمثل العدالة التصالحية إحدى ركائز النظام الإجرائي الجنائي الجديد في كثير من الدول، كفرنسا مثلًا والمغرب كإحدى الدول العربية التي تبنت مثل هذا النظام، فهذا النظام يعد أقرب النظم الإجرائية لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية في المجتمع الليبي، نظرًا إلى طبيعة التركيبة الاجتماعية الليبية، التي تقوم -في أغلبها- على فكرة الانتماء القبلي.

ولهذا، فإن نظام العدالة التصالحية سيمثل أحد الحلول لمشكلة العدالة الانتقالية في ليبيا، وذلك من خلال إدخال الضحية طرفًا في النزاع الجنائي يفاوض الجاني على حل يرضيه ويجبر الضرر الذي ألمَّ به، وهذا النوع من العدالة يتخذ صورًا متعددة لا يتسع المقام لسردها وتفصيلها، ولكن أهم هذه الصور هي الوساطة الجنائية، حيث يُسند للنيابة العامة دور جديد قوامه التوفيق بين الضحية والجاني في شكل مفاوضات تنتهي، إما بالتصالح وإما بإحالة الموضوع للقضاء، فنظام الوساطة سيمثل مرحلة لحل النزاع صلحًا.

فمن الناحية الواقعية، يشكل نظام العدالة التصالحية نظامًا مقبولًا ومطبقًا في ليبيا في صور مختلفة، وهذا ما نتفق عليه في أسس العرف الاجتماعي بين القبائل.

إن تبني نظام العدالة التصالحية سيمثل أحد الحلول العملية لمشكلة إفلات الجناة من العقاب، ففكرة العدالة التصالحية لا تقوم على الإعفاء المطلق ولا التبرئة على بياض، فهي ترتكز على فكرة التراضي في قبول جبر الضرر وفي الخضوع للجزاء، ربما طبيعة الجزاء الموقع على مرتكب الإثم ليس هو نفسه الجزاء المقرر للجرم في الظروف الطبيعية، بحيث يكون الجزاء أخف في حالة العدالة التصالحية، ولكن ذلك يُبرر على أساس تحقيق مصالح أبعد وأعم، وهي فكرة المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي.

إن إعادة النظر في التشريع الإجرائي الجنائي الليبي يبدو أهم الخطوات نحو وضع نظام للمصالحة الوطنية، من خلال إقامة فكرة العدالة التوفيقية التي تستهدف مشاركة أطراف النزاع في إيجاد حل للنزاع الجنائي، كتبني نظام الوساطة الجنائية والتصالح، ومن باب الإنصاف، فإذا كانت العدالة التصالحية تتضمن لفظين دالين، العدل والتصالح، فإن الشريعة الإسلامية السمحة، ومن خلال مجموعة من الآيات القرآنية، ما فتئت تدعو إلى الصلح والتصالح والعفو والتوبة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى