لماذا تتعثر الأمم؟

بقلم/ مريغان المنفي
ليس من السهل أن نفسر لماذا تنجح أمم في بناء دول مستقرة، بينما تتعثر أمم أخرى رغم أنها قد تمتلك من الموارد والثروات والكفاءات ما يكفي لبناء دولة قوية. فالتاريخ لا يمنحنا قاعدة بسيطة تقول إن الغنى يؤدي إلى الاستقرار أو إن الفقر يؤدي إلى الانهيار، أو إن وجود دستور يكفي لصناعة دولة حديثة.
هناك أمم امتلكت كل المقومات المادية تقريبًا، لكنها بقيت تدور في حلقات من الصراع وأخرى بدأت من ظروف شديدة الصعوبة، ثم استطاعت أن تبني مؤسسات مستقرة وتراكم خبرتها السياسية جيلًا بعد جيل.
ربما لأن تعثر الأمم لا يحدث عادة بسبب عامل واحد، وإنما يبدأ عندما تفشل في تحويل القوة الاجتماعية إلى مؤسسات والمؤسسات إلى شرعية والشرعية إلى ثقافة سياسية قادرة على الاستمرار، وهنا لا تعود أزمة الدولة مجرد أزمة حكومة أو دستور أو انتخابات، وإنما تصبح أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين المجتمع والدولة، وبين الإنسان والمؤسسة، وبين السلطة والمعنى الذي يمنحها حق الوجود. فالدولة لا تولد في الفراغ. إنها تظهر داخل مجتمع له تاريخ وذاكرة وعلاقات وولاءات ومصالح ومخاوف.
إن الدولة ليست مجرد جهاز سياسي منفصل عن المجتمع، وإنما ثمرة لحركة الاجتماع والعمران والقوة التي تتشكل داخله، ولا تستطيع الدولة أن تبني نفسها في مواجهة المجتمع الذي يفترض أن تكون دولته.
حين يكون انتماء الإنسان إلى القبيلة أو المنطقة أو الجماعة أو التيار السياسي أقوى من انتمائه الوطني، تصبح الدولة ساحة لتنافس الولاءات بدل أن تكون الإطار الذي يستوعبها جميعًا. والمشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء الجزئي أقوى من الانتماء الشامل، وعندما يشعر الفرد أن حماية جماعته أكثر ضمانًا من حماية الدولة وأن الحصول على الحقوق يمر عبر الوساطة ليس عبر المواطنة، هنا تصبح الدولة موجودة شكلًا، لكنها ليست المرجعية الأولى في حياة الناس.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتحول السلطة من وسيلة لبناء الدولة إلى غاية يدور حولها الصراع. حينها لا يعود السؤال: كيف نبني المؤسسات؟ بل يصبح: من يسيطر عليها؟ ومن يمتلك مفاتيحها؟ ومن يستطيع استخدامها لصالح جماعته؟
وبذلك تتحول المؤسسات التي يفترض أن تكون ملكًا عامًّا إلى أدوات خاصة للصراع السياسي، ويصبح الوصول إلى السلطة انتصارًا بذاته، بينما تتراجع الدولة إلى المرتبة الثانية. وحين يصبح الحكم غنيمة يصبح التنافس عليه أكثر شراسة، لأن الخاسر لا يشعر أنه خسر موقعًا سياسيًّا فحسب، بل يشعر أنه فقد الحماية والنفوذ والقدرة على التأثير.
إن القوة تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الولاء. ويمكن للإنسان أن يطيع لأنه يخاف، لكنه لن يصبح بالضرورة مؤمنًا بالدولة التي يخاف منها. أما حين يرى القانون إطارًا عادلًا ينطبق عليه وعلى غيره وحين يرى في المؤسسة شيئًا يتجاوز الأشخاص تبدأ الطاعة في الانتقال من الإكراه إلى القبول.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات بناء الدولة إرباكًا: قد تكون لدينا مؤسسات حديثة لكننا نمارس السياسة بعقلية قديمة يمكن أن نكتب دستورًا متقدمًا وننشئ برلمانًا وننظم انتخابات ونعلن استقلال القضاء ثم نعود في الممارسة إلى منطق الزعيم والوساطة والمحسوبية والولاء الشخصي وتقاسم النفوذ. عندها تصبح لدينا مؤسسات حديثة تعمل داخل ثقافة سياسية لم تتغير بالقدر الكافي. وهذا النوع من التعثر أخطر من غياب المؤسسات لأن غياب المؤسسة واضح، أما وجودها الشكلي فيوهمنا بأن الدولة قد اكتملت بينما هي في الحقيقة لم تكتمل إلا على الورق.
فالمؤسسات ليست مباني ولا قوانين فقط. المؤسسة هي أيضًا سلوك متكرر وقاعدة مقبولة وثقة متبادلة. ولذلك فإن الدولة تحتاج إلى ثقافة سياسية تحمي مؤسساتها أكثر مما تحتاج إلى كثرة المؤسسات. والثقة هنا ليست تفصيلًا أخلاقيًّا هامشيًّا، بل هي أحد الموارد الأساسية للدولة. المواطن يحتاج إلى أن يثق بأن القانون سيطبق عليه كما يطبق على غيره والسياسي يحتاج إلى أن يقبل بأن خسارة السلطة ليست نهاية العالم، والمعارضة تحتاج إلى أن تؤمن بأن الدولة لن تختفي إذا وصلت إلى الحكم، والحاكم يحتاج إلى أن يدرك أن خروجه من السلطة لا يعني سقوط الدولة. عندما تنهار هذه الثقة، تتحول السياسة إلى لعبة صفرية: إذا انتصر الآخر خسرت أنا. وفي مثل هذه البيئة يصبح كل طرف منشغلًا بتأمين نفسه قبل التفكير في بناء المجال المشترك.
فالحرية ليست مجرد حق وإنما مسؤولية. والتعددية ليست مجرد السماح للآخر بالكلام وإنما الاعتراف بحقه في الاختلاف. والديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع وإنما قبول مسبق بإمكانية أن يخسر المرء وأن يبقى جزءًا من الدولة. وسيادة القانون ليست أن نطالب بتطبيق القانون على الآخرين، وإنما أن نقبله حين يكون في غير مصلحتنا أيضًا.
فإذا كانت المؤسسات عادلة، يتعلم المواطن أن العدالة ممكنة. وإذا كان القانون محترمًا، يتعلم احترامه. وإذا كان انتقال السلطة سلميًّا، يتعلم أن الخصومة السياسية لا تعني العداء. أما إذا كانت الدولة تكافئ الولاء الشخصي وتعاقب الاستقلال فإنها تربي مواطنًا يبحث عن الحماية في الأشخاص بدل المؤسسات.
وفي النهاية لا تستطيع الأمة أن تبني دولة مستقرة إذا لم تستطع إنتاج معنى مشترك يجعل وجود هذه الدولة ضرورة في وعي مواطنيها. ليس المطلوب أن يتشابه الناس في أفكارهم. فالدولة الحديثة لا تقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على إيجاد إطار يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى صراع على وجود الدولة نفسها.
المطلوب هو حد أدنى من الاتفاق على معنى الوطن، والمواطنة، والقانون، والحقوق، والمسؤولية، والمصلحة العامة. أي أن يشعر الإنسان بأن هناك شيئًا مشتركًا يستحق أن يبقى قائمًا حتى عندما تختلف الأجيال، وتتغير الحكومات، وتتبدل النخب. وهنا ربما يمكن اختصار لغز تعثر الأمم كله في جملة واحدة:
تتعثر الأمم عندما تكون الدولة موجودة بوصفها جهازًا، لكنها ليست فكرةً مشتركة في وعي مواطنيها. إنها تظل هشة إذا لم تصبح في وعي الإنسان شيئًا يتجاوز الحاكم والحكومة والحزب والقبيلة والمنطقة، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نبني الدولة؟ بل السؤال الأكثر عمقًا هو: كيف نجعل الدولة معنى مشتركًا قبل أن نجعلها مؤسسة؟
ربما هنا يكمن الفرق بين أمة تبني دولة، وأمة تبني مجرد سلطة. فالدولة التي تقوم على الخوف تحتاج إلى القوة لكي تستمر، والدولة التي تقوم على المصالح تحتاج إلى توزيع مستمر للمنافع، أما الدولة التي تتحول إلى فكرة مشتركة، فإنها تستطيع أن تتجاوز الأشخاص والحكومات والأزمات.
لهذا لا يعود لغز بناء الدولة لغزًا متعلقًا بالمؤسسات وحدها، بل يصبح لغزًا متعلقًا بالإنسان نفسه: أي إنسان نريد أن تصنعه الدولة؟ وأي دولة يستطيع هذا الإنسان أن يصنع؟
