انتزاع وهم السيطرة

بقلم/ محمد عبدالقادر
لنقترب بهدوء من ضفاف البحار والمضائق؛ تلك البؤر التي تُصنع فيها استراتيجيات إدارة الصراعات الدولية، من الهجوم الياباني على “بيرل هاربر” (1941م) لإخراج الوجود الأمريكي من المحيط الهادئ وخلجانه المهمة التي تهدد الإمبراطورية اليابانية، لكن النتيجة كانت هي إيقاظ العملاق النائم، إلى معركة السويس (1956م) التي أعلنت عن صعود قطبين جديدين هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ونزول كل من بريطانيا وفرنسا عن عرش العالم كقوتين عظميين، وصولًا إلى “معركة هرمز 2026م”التي تريد أمريكا من خلالها تأكيد دورها ووجودها وقوتها كقوة عظمى منفردة الهيمنة على العالم والواقع الاستراتيجي لم يعد يمنحها هذا الكرسي إلا وهمًا لدى قادتها السياسيين بالذات، أما العسكريون فهم يعرفون الحجم الحقيقي للقوة.
هذه المحطات التاريخية لم تكن مجرد نزاعات عابرة، بل كانت إعلانًا عن نهاية إمبراطوريات وصعود أخرى.
اليوم، نعيش فصول العدوان الأمريكي-الصهيوني ضد إيران، حيث يسعى الكيان الصهيوني –باعتباره كيانًا وظيفيًّا- لتأمين المصالح الغربية، متجاهلًا دروس التاريخ. ولضبط إيقاع فهمنا لهذا الصراع، نستحضر رؤية هنري كيسنجر، الذي أدرك الجيوسياسية الإيرانية وأهمية مضيق هرمز في تدفق الطاقة.
في كتابه “النظام العالمي” وهو آخر الكتب التي ألفها قبل موته، يطرح كيسنجر تساؤلًا جوهريًّا: «هل يمكن فرض نظام دولي بالقوة العسكرية وحدها؟».
تساؤل عميق لمفكر استراتيجي وممارس للاستراتيجيا، ومن خلال تدقيقنا في المشهد الراهن، الذي تعتمده واشنطن وتل أبيب عبر سياسة “الصدمة والترويع”، يُظهر انحرافًا حادًّا عن “الواقعية الاستراتيجية”.
لقد صنف كيسنجر إيران كـ “إمبراطورية حضارية” لا تخضع لمعايير الدول القومية التقليدية، مؤكدًا في تحليله: «أن القوى التي تستمد شرعيتها من جذور حضارية عميقة لا يمكن إخضاعها بالوسائل المادية؛ فهي تمتلك قدرة فريدة على الصمود وتكييف استراتيجياتها لتجاوز لحظات الضعف العسكري».
ما نراه اليوم من رهان على القوة النارية المفرطة هو ما حذر منه كيسنجر بوصفه “وهم السيطرة”. فالمحاولة لفرض نظام إقليمي بالقوة الصلبة، دون رؤية دبلوماسية، تحول الحرب إلى غاية في ذاتها لا وسيلة للاستقرار.
وكما يشير كيسنجر: «السياسة الخارجية التي تفتقر إلى التوازن بين القوة والدبلوماسية، تنتهي غالبًا بإنتاج الفوضى بدلًا من النظام».
بينما تنجرف واشنطن نحو فخ التدمير المادي، تتبع طهران استراتيجية “التموضع طويل الأمد” والصبر المنضبط، فهي تدرك أن هزيمة الخصم لا تكون بكسر عسكري سريع، بل بإنهاك قدرته على فرض الهيمنة.
الفشل الأمريكي يكمن في الظن بأن تدمير البنى التحتية يقوض الأيديولوجيا، بينما الحقيقة أن مثل هذه الصدمات تدفع القوى الأيديولوجية إلى “إعادة التموضع والتحصن”.
إن التاريخ ليس ساحة لتنفيذ رغبات القوى العظمى، بل مسار تتقاطع فيه المصالح بالصبر الاستراتيجي.
لقد أهملت أمريكا جوهر فكر كيسنجر القائل: «الشرعية الدولية لا تُفرض بالصدمة، بل تُبنى بالتوافق الذي يحترم هويات الدول الفاعلة».
إن انتزاع “وهم السيطرة” يتطلب إدراكًا بأن زمن الغزوات قد ولى، وأن النظام القادم لن يُكتب بالحبر العسكري.
لقد أرادت أمريكا وجيبها الاستراتيجي تأكيد وهم السيطرة دون قراءة المتغيرات، لتكون “معركة هرمز” إيذانًا بسقوط الصولجان من يد إمبراطورية، لصالح عالم متعدد الأقطاب أصبحت ملامحه تتشكل أكثر من أي وقت مضى؛ فمن يغرق في وهم القوة المطلقة لا يدرك أن موازين التاريخ لا ترحم.
