من يحرق الزاوية!

بقلم / عفاف الفرجاني
ليست كل الحروب تُعلن ببيانات رسمية، وليست كل الصواريخ تحمل رايات أصحابها. أحيانًا تأتي الضربة من السماء بصمت، وتترك خلفها أسئلة أكبر من حجم الدمار. وهذا ما حدث في مدينة الزاوية، حيث وجد الليبيون أنفسهم أمام مشهد جديد: طائرات درون انتحارية تستهدف خزانات وقود تمثل شريانًا حيويًّا لبلد يعيش أصلًا أزمة طاقة خانقة. وحتى الآن، تبقى هوية الجهة التي تقف خلف هذا الاستهداف مجهولة، وسط غياب إعلان رسمي يكشف من أطلق هذه الطائرات ومن المستفيد من ضرب منشآت تمس حياة المواطنين. وقد شهدت منشآت الزاوية النفطية سابقًا حوادث مرتبطة باشتباكات وأضرار طالت خزانات ومنشآت نفطية، ما يؤكد حساسية الموقع وخطورة أي اضطراب حوله.
أول ما جال في خاطري وأنا أشاهد قوتنا يحترق وسط صراخ المنقذين من أبطال الأمن والسلامة وشركة المياه والصرف الصحي وأجهزة الإطفاء: من هذا الحاقد؟ من المستفيد؟ إنه الدرون الانتحاري.
من يجرؤ؟ بل من يملك القدرة على استخدام هذا النوع من السلاح وضرب أهداف نفطية دقيقة؟
فالطائرات المسيرة الانتحارية ليست لعبة عسكرية عشوائية، واستخدامها ضد منشآت استراتيجية يحتاج إلى تقنيات وقدرات وتدريب، حتى الثلة المجنونة من فاقدي الوطنية والعقل من الميليشيات، لن تجيد استعمالها، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلاتي الواسعة حول الجهات القادرة على تشغيلها، وحول دور الأطراف الخارجية التي جعلت الساحة الليبية مساحة مفتوحة للصراعات وتصفية الحسابات. وخاصة أن قاعدة الوطية القريبة من مكان الدمار، يقطنها الأتراك!
وبينما نرى ثرواتنا تحرق، هناك من يبحث عن لتر ديزل لتشغيل مولد منزله أو مضخة مياه، تأتي ضربات تستهدف خزانات الوقود لتضيف طبقة جديدة من الخوف إلى أزمة قائمة أصلًا. فالوقود الذي تحاول الدولة توفيره للمستشفيات والمرافق الحيوية والنقل أصبح نفسه هدفًا في حرب غامضة لا يعرف الليبيون أطرافها.
المحزن في هذا الأمر وفي قلب المشهد يقف رجال الأمن والسلامة والإطفاء ومنتسبو جهاز المياه والصرف الصحي يواجهون الخطر الحقيقي على الأرض؛ بين ألسنة النار وخزانات قابلة للتحول إلى كارثة، محاولين احتواء الحريق ومنع امتداد النيران إلى مناطق أوسع. وفي كل مرة يصلون إلى الله، لأنهم نجحوا في إخمادها، تأتي الدرون الانتحارية، لتعيد اللعبة، نيرون الزاوية لا يهمه، من يواجهون الحريق، ولا من يوجّه احتمال كارثة بيئية وإنسانية تهدد المدينة وسكانها، بل يهمه، تطبيق سياسة الأرض المحروقة، وليذهب الجميع إلى الجحيم.
في تقديري، لم يعد ما هو أفظع لم تشاهده ليبيا المحتلة، حيث استحدث نمط جديد والأكثر خطورة، حيث أصبحنا أمام فوضى منشآت نفطية تُستهدف بطائرات مجهولة تحلق في السماء دون خوف، تتخندق خلف مجهول معلوم، الخاسر فيها المواطن الليبي الذي ظل يدفع الثمن طيلة سنوات طويلة من عمره.
ما حدث لا يمكن تصنيفه عملًا ميليشياويًّا عابرًا، بل إنذار خطير بأن الحرب في ليبيا لم تعد فقط على الأرض، بل أصبحت تحلق فوقها، وأن صمت الجهات الرسمية عن كشف الفاعلين يترك الباب مفتوحًا أمام سؤال مرير:
هل بدأت حرب الدول المتداخلة في ليبيا تترجم على سماء الواقع؟
