التعليم والاقتصاد المعرفي

بقلم/ فتحي بن شتوان
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًّا في مفهوم الثروة. فبعد أن كانت قوة الدول تقاس بما تملكه من موارد طبيعية ورؤوس أموال، أصبحت تقاس اليوم بما تمتلكه من معرفة، وما تنتجه من ابتكار، وما تبنيه من عقول قادرة على الإبداع. ومن هنا ظهر مفهوم الاقتصاد المعرفي، الذي أصبحت فيه المعرفة المورد الأكثر قيمة، والتعليم بوابته الرئيسة.
فالاقتصاد المعرفي هو الاقتصاد الذي يعتمد على إنتاج المعرفة، ونشرها، وتطبيقها، وتحويلها إلى منتجات وخدمات وتقنيات وقيمة مضافة. وفي هذا الاقتصاد لم تعد الجامعات والمدارس مؤسسات للتعليم فقط، بل أصبحت مصانع للعقول، ومراكز لإنتاج المعرفة، وحاضنات للابتكار، وشركاء في التنمية الاقتصادية.
ولهذا لم يعد التعليم منفصلًا عن الاقتصاد، بل أصبح أحد أهم محركاته. فكلما ارتفعت جودة التعليم، ارتفعت إنتاجية الإنسان، وزادت قدرته على الابتكار، وتحسنت تنافسية الاقتصاد الوطني. والعكس صحيح، فالتعليم الضعيف ينتج اقتصادًا ضعيفًا، مهما كانت الموارد الطبيعية المتاحة.
إن الاقتصاد المعرفي يحتاج إلى منظومة تعليمية مختلفة، لا تكتفي بتخريج حملة الشهادات، بل تُعد كفاءات تمتلك مهارات التفكير، والبحث، والإبداع، واستخدام التكنولوجيا، والعمل الجماعي، وريادة الأعمال. كما يحتاج إلى جامعات ترتبط بالصناعة، ومراكز بحث علمي تعالج مشكلات التنمية، ومؤسسات تعليمية تغرس ثقافة الابتكار منذ المراحل الأولى.
وفي هذا السياق، يصبح البحث العلمي جزءًا من الاقتصاد، وتتحول الأفكار إلى شركات ناشئة، والاختراعات إلى صناعات، والمعرفة إلى فرص عمل. ولهذا نرى أن الدول التي تستثمر في التعليم والبحث العلمي هي نفسها الدول التي تقود الاقتصاد العالمي، لأنها أدركت أن العقول هي الثروة التي لا تنضب.
أما في ليبيا، فإن الانتقال إلى الاقتصاد المعرفي ليس خيارًا فكريًّا، بل ضرورة استراتيجية. فالاعتماد على الاقتصاد الريعي لم يعد كافيًا لتحقيق التنمية المستدامة، بينما يتيح الاقتصاد المعرفي فرصًا واسعة لتنويع مصادر الدخل، وزيادة الإنتاجية، وخلق وظائف نوعية، وتعزيز القدرة التنافسية للدولة.
ويبدأ هذا التحول بإصلاح التعليم، وربطه باحتياجات الاقتصاد الوطني، وتطوير التعليم التقني والحرفي، ودعم الجامعات البحثية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، واستقطاب العلماء والكفاءات، والاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فهذه العناصر ليست مشروعات منفصلة، بل حلقات في منظومة واحدة هدفها بناء اقتصاد يقوم على المعرفة والإبداع.
كما ينبغي أن تنشأ شراكات حقيقية بين مؤسسات التعليم والقطاع الخاص، حتى تسهم الجامعات والمعاهد في تطوير التقنيات، وتحسين الإنتاج، وتأهيل الكفاءات التي يحتاجها سوق العمل. وعندما تصبح المعرفة جزءًا من دورة الإنتاج، يتحول التعليم من قطاع خدمي إلى محرك رئيس للتنمية الاقتصادية.
إن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأكثر ربحًا للدولة، لأنه لا يقتصر على إعداد الأفراد، بل يبني اقتصادًا أكثر قوة، ومجتمعًا أكثر قدرة على الابتكار، ومستقبلًا أكثر استدامة. ولهذا فإن المشروع الحضاري النهضوي الليبي يجعل من التعليم نقطة الانطلاق نحو الاقتصاد المعرفي، ومن المعرفة أساسًا للثروة الوطنية.
فالثروات الطبيعية قد تنضب، والأسواق قد تتغير، أما المعرفة فإنها تنمو كلما استُثمر فيها، وتزداد قيمتها كلما تحولت إلى إبداع وإنتاج. ومن هنا، فإن الطريق إلى اقتصاد قوي يبدأ من مدرسة جيدة، وجامعة منتجة، وباحث مبدع، وإنسان يؤمن بأن المعرفة هي الاستثمار الذي يصنع ثروة الأمم ويقودها إلى مستقبل أكثر ازدهارًا.
