استعادة المبادرة

بقلم/ محمد علوش
تدخل جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الاستعدادات المقبلة لانتخابات المجلس التشريعي من موقع سياسي واضح؛ لا باعتبار الانتخابات موسمًا عابرًا أو سباقًا على المقاعد، بل استحقاقًا وطنيًّا يتيح للشعب الفلسطيني أن يميز بين القوى والبرامج والخيارات، وأن يقرر أي فلسطين يريد، وأي نظام سياسي واجتماعي واقتصادي يستطيع أن يلبي تطلعاته.
من هذا المنطلق، تأتي مشاركة الجبهة استنادًا إلى إرث وطني ومجتمعي يمتد عبر عقود من النضال في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وإلى إسهاماتها في الدفاع عن الحقوق الوطنية وفي ميادين العمل النقابي والعمالي والجماهيري والاجتماعي، لكن هذا الإرث ليس بديلًا عن الحاضر، ولا يمنح أحدًا حصانة سياسية؛ فالشرعية تتجدد بقدر القدرة على فهم المجتمع، ومراجعة التجربة، وتقديم برنامج يستجيب لأسئلة الناس.
ولهذا لا تدخل الجبهة الانتخابات لاستعادة صورة من الماضي، وإنما لاستعادة حضور سياسي واجتماعي يستند إلى تاريخها ويتطلع إلى المستقبل، فالجبهة ليست اسمًا محفوظًا في ذاكرة الحركة الوطنية، بل قوة من اليسار الوطني الديمقراطي والاجتماعي تمتلك رؤية مختلفة لطبيعة الدولة والمجتمع والاقتصاد، وتريد أن تضع هذه الرؤية أمام الناخبين بوضوح، ليكون الاختيار قائمًا على البرامج والمواقف لا على الاستقطاب الفصائلي.
إن حاجة المجتمع الفلسطيني اليوم ليست إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى تعدد حقيقي في الخيارات، حيث يحتاج المواطن إلى أن يرى الفارق بين من يريد سلطة بلا رقابة، ومن يريد دولة يحكمها القانون؛ وبين من يتعامل مع الاقتصاد باعتباره مجالًا لتراكم النفوذ والثروة، ومن يراه أداة للإنتاج والعدالة الاجتماعية؛ وبين من يختزل حقوق الناس في الوعود الانتخابية، ومن يريد تحويلها إلى سياسات وتشريعات ملزمة.
ومن هنا نطرح العدالة الاجتماعية باعتبارها جزءًا من المشروع الوطني، لا ملفًّا منفصلًا عنه، فالدولة الفلسطينية المنشودة ليست علمًا ومؤسسات وحدودًا فقط، وإنما دولة المواطن؛ دولة تحمي العامل، وتدعم الفلاح، وتواجه البطالة، وتحمي الفئات الفقيرة، وتوسع الطبقة الوسطى، وتضمن التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وتصون حقوق المرأة، وتفتح أمام الشباب فرص المشاركة والعمل وصناعة القرار.
ولا يمكن تحقيق ذلك من دون سياسة اقتصادية وطنية تعيد الاعتبار للإنتاج والعمل، وتدعم الزراعة والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتواجه التبعية الاقتصادية، وتحمي المال العام، وتضع الموارد في خدمة التنمية والمجتمع، فالعدالة الاجتماعية ليست شعارًا، وإنما طريقة لإدارة الاقتصاد وتوزيع الفرص والموارد، وهي في الوقت نفسه شرط للصمود الوطني.
وتستند هذه الرؤية إلى تجربة الجبهة في الدفاع عن العمال والفئات الشعبية، وإلى إيمانها بأن قضية العامل والأسرة والشاب والمزارع والمرأة هي في صميم القضية الوطنية، فالاحتلال لا يصادر الأرض والحرية فقط، بل يعمق التبعية والفقر والهشاشة، ولذلك لا يمكن فصل التحرر الوطني عن التحرر الاجتماعي والاقتصادي.
وعلى المستوى الوطني، تتمثل الأولوية في إنهاء الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية، واستعادة القرار الوطني الجامع ضمن استراتيجية وطنية موحدة.
أما الديمقراطية، فلا نراها مجرد صندوق اقتراع، بل نظامًا متكاملًا يقوم على التعددية وتداول السلطة واستقلال القضاء وحرية الإعلام وحق المعارضة والمساءلة، فالدولة التي تخشى الاختلاف لا تستطيع أن تبني مجتمعًا ديمقراطيًّا، والقوة السياسية التي لا تقبل النقد تتحول إلى جزء من الأزمة التي تدعي مواجهتها.
ندخل هذه الانتخابات ونحن ندرك أن على الجبهة أن تستعيد حضورها الجماهيري وتوسع قاعدتها الاجتماعية وتجدد أدواتها السياسية والتنظيمية، ولا نخفي ذلك، بل نراه مسؤولية سياسية، كما لا نطلب من الناس أن يمنحونا ثقتهم استنادًا إلى تاريخنا وحده؛ بل نطلب منهم أن يحكموا على مواقفنا وبرنامجنا وقدرتنا على تمثيل مصالحهم والدفاع عنها.
نريد انتخابات تفتح المجال أمام المجتمع ليرى الفروق بين البرامج، لا انتخابات تعيد إنتاج الثنائية والاستقطاب، ونريد مجلسًا تشريعيًّا يعكس التعدد الفلسطيني، ويمارس دوره في التشريع والرقابة، ويضع السلطة تحت المساءلة، ويعيد الاعتبار للمواطن باعتباره مصدر الشرعية وصاحب الحق في اختيار ممثليه ومحاسبتهم.
إن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تخوض هذا الاستحقاق بتاريخها، لكنها لا تعيش عليه؛ بإرثها الوطني والاجتماعي، لكنها لا تتكئ عليه؛ وبمشروع يسعى إلى وصل التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية، والديمقراطية بالاستقلال، والقرار الوطني بمصالح الناس.
نحن لا نطلب من الفلسطينيين أن يتذكروا من كنا، بل أن يحكموا على ما نريد أن نكونه معهم، فالمعركة ليست على عدد المقاعد، وإنما على طبيعة الدولة التي نريد بناءها، والمجتمع الذي نريد حمايته، والاقتصاد الذي نريد تأسيسه، ومستقبل المشروع الوطني الذي يستحقه شعبنا.
إنها معركة استعادة المبادرة: مبادرة السياسة، واليسار الديمقراطي الاجتماعي، والمواطن، والمشروع الوطني.
