كيف أصبحنا؟

بقلم / مصطفى الزائدي
أية ثورة تلك التي تحوِّل شعبًا كان مرتاحًا، مستقرًّا، آمنًا، يعيش بهدوء وطمأنينة وفي قدر كبير من الرغد، إلى شعب متوتر يبحث عن لقمة عيشه اليومية، يكابد شظف الحياة، وانقطاع الكهرباء، وندرة النقود والوقود، والغلاء الخيالي للأسعار، وعدم توفر الحد الأدنى من الخدمات، ناهيك عن أجواء الخوف والإرهاب!
أية ثورة تلك التي تحوِّل شعبًا كان موحدًا، يعيش بكرامة وكبرياء، يتنقل أبناؤه من أقصى الشرق والغرب والجنوب دون أن يسألهم سائل، ولا يتخلفون عن التعازي مهما ابتعدت المسافات، ولا عن حفلات الختان والحج والعمرة، إلى سكان لا يستطيعون التنقل بأمان داخل أحيائهم وبين مدنهم وقراهم؟
أية ثورة تلك التي تحوِّل وطنًا كان موحدًا مزدهرًا إلى بلد يتخلف كل يوم، ويتهدده التقسيم، وتُرفع فيه رايات هنا وهناك ما أنزل الله بها من سلطان!
أية ثورة تلك التي حوَّلت بلدًا كان يلعب دور القيادة والريادة في محيطه، ويتغذى مواطنوه من إنتاجه المحلي، ويصنع أغلب احتياجاته، إلى بلد مركون في هامش الهامش، يديره موظفون صغار في السفارات والمبعوثيات، ويستورد كل شيء، من الطماطم والخيار والفقوس إلى الديزل والبنزين، ومن الإسمنت والحديد إلى التبن والرمل!
ما المعايير التي يستند إليها أولئك المخبولون في وصف أخطر مؤامرة على ليبيا، استهدفت وجودها كوطن واحد وشعب موحد، وليس كشخص أو نظام، كما روّج العملاء والسفهاء بأنها ثورة شعب ضد الطغيان ومن أجل الرفاه والازدهار؟ هل من طغيان يماثل ما نعيشه اليوم من سطوة للفاسدين، وعبث للمجرمين، وقهر يمارسه مرضى نفسانيون ضد شعب كان آمنًا مستقرًا؟ وشكرًا للطغاة، صغارهم وكبارهم، فهم لا يتورعون ولا يخجلون من نشر ممارساتهم ورذائلهم، ويتبجحون ببذخهم وإسرافهم!
وأين الازدهار الذي يبشرون به؟ ولولا حركة البناء في المناطق التي نجح الجيش فيها وانتصر على ما كان يُسمى «ثورة»، لما وجدوا صورة ينشرونها، بينما آثار التنمية الكبرى التي انطلقت بعد أن توقعت الدولة أنها أنهت حالة الصراع مع الغرب، فاستكانت وانطلقت في الإعمار، لكن الغرب المنافق ما كان ليسمح لدولة بنظام وطني أن تنطلق في ثورة تنموية كبرى، لذلك استعجل أمره ونفّذ مخططه!
يا أيها السادة، فبرايريين كنتم أو سبتمبريين، هذا وقت مناسب لإعادة التقييم والتقويم، فلقد صار الأمر جليًّا لكل ذي بصيرة، والشعب في أغلبه كان يدرك المؤامرة، لذلك تظاهر في مليونيات متتالية في عام 2011، وهو أكثر اقتناعًا بأن بلادنا تنحدر إلى الهاوية، وليس من سبيل اليوم إلا إلى الوقوف صفًا واحدًا وإعادة ترتيب الأوضاع.
فالوطن لا يُبنى بالشعارات، ولا تستعاد كرامة المواطن بالوعود، ولا تُحمى الدولة بتعدد مراكز القوة والنفوذ. إن ليبيا اليوم بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس، وإلى الاعتراف بحجم الخسائر التي لحقت بها، بعيدًا عن المكابرة وتبادل الاتهامات. المطلوب أن يتقدم صوت العقل، وأن تتراجع لغة التحريض والكراهية، وأن يدرك الجميع أن استمرار الانقسام لن يورث إلا مزيدًا من الفقر والخوف وضياع السيادة. لقد آن الأوان لأن يصبح معيار الوطنية هو القدرة على إنقاذ الوطن، لا الانتماء إلى هذا الطرف أو ذاك، وأن تكون مصلحة ليبيا وشعبها فوق كل الحسابات والمصالح الضيقة.
