مقالات الرأي

السياسة الوقائية ودورها في مكافحة الجريمة



بقلم/ محمد المجبري

تُعَدُّ الجريمة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الإنسانية على اختلاف مستويات تطورها، وقد تزايدت أهمية تبني سياسات وقائية فعّالة في ظل التطور الاجتماعي والاقتصادي والمتغيرات الثقافية والتكنولوجية التي قد تؤدي إلى اتساع نطاق السلوك الإجرامي، وتستند السياسة الوقائية إلى السعي إلى منع وقوع الجريمة قبل حدوثها، من خلال معالجة الأسباب والعوامل المؤدية إليها، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية أو ثقافية، وتعد هذه السياسة جزءًا مهمًّا من السياسة الجنائية الشاملة، إذ تعمل بالتكامل مع الجزاءات والعقوبات وتدابير الردع، لكنها تختلف عنها من حيث تركيزها على الجوانب الوقائية لا العقابية.

تعد السياسة الوقائية عاملًا مهمًّا في مكافحة الجريمة والحد منها، فهي تسعى الى منع الجريمة من قبل ارتكابها.

وتعرف السياسة الوقائية بأنها مجموعة الوسائل والتدابير التي تعتمدها الدولة في مجال الوقاية، بهدف التصدي للجريمة بجميع أشكالها وتحقيق العدالة الجنائية بصورة توازن بين حماية المجتمع وحقوق الأفراد.

كما أنها تعد الدور الاستباقي للمشرع والجهات المختصة باعتماد مجموعة من الوسائل العلمية والإجراءات الفنية لتأمين المصالح المحمية للأشخاص، عن طريق تحييد الخطورة الإجرامية الكامنة في شخص من يروم انتهاك تلك المصالح.

أهدافها.. ويتمثل الدور الجوهري للسياسة الوقائية في تحقيق الأمن والاستقرار من خلال استهداف مسببات الجريمة، وتتطلب فاعليتها تضافر جهود مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، كما تتجه السياسة الوقائية نحو المنبع لمعالجة الأسباب العميقة لظاهرة الإجرام، والتي غالبًا ما تكون اجتماعية واقتصادية وثقافية، وتتركز السياسة الوقائية، لاسيما الوقاية الأولية والثانوية، على حماية الشباب والفئات الهشة من الوقوع في براثن الجريمة، عبر توفير الرعاية والتوجيه، كما تهدف الإجراءات الوقائية إلى حماية الحقوق الإنسانية مثل الحق في الحياة والسلامة الجسدية من خلال تجريم السلوكيات المعرضة للخطر حتى قبل تحقق النتيجة الإجرامية، كما أن نجاح السياسة الوقائية يتوقف على مدى تفعيلها وتكاملها بين جميع الأطراف.

لذلك يتطلب لتفعيل السياسة الوقائية تكامل جهود سلطات الدولة (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) والمجتمع المدني، لأن الجريمة قضية تعني كل أفراد المجتمع ومؤسساته، وأيضًا تطوير التشريعات والإجراءات، لذا يجب أن تواكب السياسة الوقائية التطورات السريعة في أشكال الجريمة، كالجرائم المعلوماتية التي تتطلب تطوير السياسة التشريعية والإجرائية لمواجهتها وتحقيق الأمن السيبراني، مع مراعاة حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.

ختامًا.. قد أظهرت التجارب الدولية والعربية أن الاستثمار في الوقاية أقل تكلفة وأكثر فاعلية من الاعتماد على العقاب وحده، ومن هنا جاء الاهتمام العلمي والعملي بالسياسة الوقائية كأداة استراتيجية في مكافحة الجريمة، خاصة مع تنامي دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والأمنية في الحد من السلوك الإجرامي، فهي تمثل المنهج الاستباقي والشمولي الذي يتجاوز مفهوم العقاب إلى التحصين والحماية، ويتجلى دورها المحوري في استهداف الأسباب الكامنة وراء السلوك الإجرامي، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية، أو بيئية، مما يضمن تقليص القاعدة الإجرامية في المجتمع.

إن تفعيل هذه السياسة يتطلب تنسيقًا كاملًا بين جميع قطاعات الدولة والمجتمع، لتصبح الوقاية مسعى مجتمعيًّا شاملًا لا يقتصر على الأجهزة الأمنية والقضائية فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى