الاقتصاد في النفق المظلم.. حين تتراجع الدولة ويتقدم الانهيار!!

بقلم/ ناصر سعيد
لا يمكن اختزال الوضع الاقتصادي الراهن في ليبيا في أزمة كهرباء أو تراجع سعر الصرف أو ارتفاع الأسعار. فهذه التطورات ليست سوى نتائج ظاهرة لاختلالات أعمق تراكمت خلال سنوات، في مقدمتها التدخل الأجنبي والانقسام المؤسسي، والاعتماد على النفط، وتضخم الإنفاق العام، وضعف الإنتاج المحلي، وتراجع قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي وانتشار الفساد.
وتعد أزمة الكهرباء أحد أبرز المؤشرات على هشاشة المنظومة الاقتصادية الحالية. فالانقطاعات المتكررة لا تؤثر على الاستهلاك المنزلي فحسب، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي بأكمله، فتتوقف الورش والمصانع والمحال والمزارع، وتتضرر قطاعات التخزين والتبريد والنقل، وترتفع تكاليف التشغيل والإنتاج. وفي القطاع الصحي تصبح الأثار أكثر حساسية، نظرًا لاعتماد المستشفيات والمختبرات وغرف العمليات على استقرار الطاقة واستمرار تشغيل الأجهزة والمعدات الطبية.
ومن منظور اقتصادي، تعني أزمة الكهرباء خسارة في الناتج وفرص العمل، وزيادة في تكلفة ممارسة النشاط التجاري، وتراجعًا في القدرة التنافسية للقطاع الخاص. كما أن استمرارها يضعف ثقة المستثمرين ويجعل التخطيط للنشاط الاقتصادي أكثر صعوبة.
وفي موازاة ذلك، يمثل تضخم القطاع العام أحد أكبر مصادر الضغط على المالية العامة. فقد أدت التعيينات المتراكمة خلال السنوات الماضية إلى توسع كبير في قاعدة متلقي المرتبات، في الوقت الذي لم يشهد فيه الاقتصاد الحقيقي نموًّا موازيًا قادرًا على استيعاب هذه العمالة. وبذلك تحولت الوظيفة العامة تدريجيًّا من أداة لتقديم الخدمة العامة إلى وسيلة للحصول على مرتبات.
المشكلة هنا ليست في المرتبات باعتبارها حقًّا للعاملين، وإنما في عدم التوازن بين حجم الإنفاق الجاري وحجم النشاط الاقتصادي المنتج. فكل توسع في فاتورة الأجور من دون زيادة مماثلة في الإنتاج يرفع الضغط على الموازنة ويزيد اعتماد المالية العامة على الإيرادات النفطية.
وتزداد المخاطر مع تراجع قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية. فالفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية ينعكس على تكلفة الاستيراد، وبالتالي على أسعار الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية ومدخلات الإنتاج. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، يصبح سعر الصرف أحد أهم محددات المستوى العام للأسعار والقوة الشرائية للمواطن.
وتنشأ هنا حلقة تضخمية واضحة، انخفاض قيمة الدينار يرفع تكلفة الواردات، وارتفاع الأسعار يقلل القوة الشرائية، فتزداد المطالب بزيادة المرتبات، وترتفع فاتورة الأجور، ويتوسع الإنفاق العام، بما يزيد الضغوط على سوق الصرف والأسعار.
ويضاف إلى هذه الاختلالات ضعف القطاع الخاص، ومحدودية التنويع الاقتصادي، واستمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. فالإيرادات النفطية، مهما ارتفعت، لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد مستدام إذا ظلت توجه بصورة أساسية إلى تمويل الإنفاق الجاري بدلًا من الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.
ومن هنا، فإن المعالجة الحقيقية لا تبدأ بزيادة الإنفاق أو المسكنات المالية، بل بإصلاح هيكلي يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الليبي، وضبط الإنفاق العام، ومراجعة منظومة التعيينات والوظائف الوهمية والازدواج الوظيفي، وتطوير قطاع الكهرباء، ودعم القطاع الخاص، وتوجيه جزء أكبر من الإيرادات النفطية إلى الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل عبر الزراعة والصناعة والخدمات.
الاقتصاد الليبي لا يفتقر إلى الموارد، بل يفتقر إلى إدارة اقتصادية موحدة ومستقرة قادرة على تحويل هذه الموارد إلى نمو مستدام. ولذلك فإن استمرار الانقسام المؤسسي ليس مجرد مشكلة سياسية، بل أصبح تكلفة اقتصادية مباشرة يدفع ثمنها المواطن والخزانة العامة.
والمعادلة التي تواجه ليبيا اليوم واضحة، إما الانتقال من اقتصاد قائم على منظومه فساد ونهب، إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والاستثمار، وإما استمرار استنزاف الموارد في الإنفاق الجاري حتى تصبح الأزمة المالية والنقدية أكثر كلفة من قدرة الدولة على احتوائها.
